كذبة الإلمام بالمنهج

أكثر ما يوتر طالب الطب أيام الامتحانات هو هذا السؤال: هل أتممت الالمام بالمنهج؟ فيجيب عليه صوته النقدي: ذاكر دروسك أول بأول تنجح و تصير الأول. ذكرت سابقاً في المدونة أني أكره هذه الجملة كثيراً. لأنني أتخيل فور سماعها شخص يحمل أوراق كثيرة و يركض محاولاً ألا يسقطها لكنها تسقط شاء أم أبى و عند خط النهاية أناس يضحكون عليه لأنه فاشل! منذ المرحلة الابتدائية و أنا أكره الأنشودة التي تردد هذه الجملة. 

كذبة الالمام بالمنهج زُرعت في تفكيرنا منذ الصغر. يرددها أساتذتنا في المدارس، يمدحون الذي يذاكر الكتاب من الجلد إلى الجلدة كما يقال. أعرف شخصاً يتفاخر بأنه يحفظ حتى أرقام الصفحات! ما حاجتك للأرقام؟ لماذا تعطيها مساحة من ذاكرتك؟ أذكر أيضاً معلمة الأحياء عندما كنتُ في الصف الثاني ثانوي أخذت كتابي نهاية الترم في أسبوع المراجعة تمر به على الطالبات في الفصل لتريهم “كتاب المتفوقين” كيف يكون شكله! متهالك قد أكل عليه الدهر و شرب لا ينغلق إلا بكماشة لأن عظم الكتاب لين من “كثرة المذاكرة” كما تدعي. قلبتْ مواضيعه صفحة صفحة حتى آخر موضوع لتريهم طبعات كوب الشاي و شخابيط قلمي الوردي في كل هامش. صرختْ بهم لتحفزهم “انظروا كيف أنها قد أتمت قراءة حتى آخر موضوع و لم يأت موعد الامتحان بعد” ! ا

لم يزعجني أنها خطفت كتابي بدون استئذان و لا نظرات الحسد من زميلاتي بقدر ما أزعجني “كذبها” الكثير عني أمامي! و ليست بحاجة لأن تعرف أن كتابي متهالك لأن أخي الصغير يحب أن يشاهد صوره كل يوم تقريباً! حتى أنه قد جرب أن يقص لنفسه بعض الصفحات و من هنا أصبح عظم الكتاب مرناً! أما كعب كوب الشاي فلأنني لم أجد أمامي سطح مستوي غير كتاب الأحياء ليحفظ الشاي من الانسكاب. و لأني أضعه بسرعه في الصباح في شنطتي يكون أحياناً مفتوحاً و لهذا اعوجَّ من المنتصف و لا ينغلق تلقائياً!  و لأننا في نهاية الترم فلن تجده جديد يلمع كبداية الترم حتى و ان اعتقته لوجه الله سنة! ثم ما أدراها كيف أذاكر بعد المدرسة و ما سبب شخابيط اللون الوردي حتى آخر موضوع؟ هل أقول لها أن أختي الصغيرة تحب هذا اللون؟ لا أريدها أن تعرف طبعاً. يكفي أنني كشفت كذبة الإلمام بالمنهج و لم أذاكر كل المواضيع حتى اللحظة. لا تعرف معلمتي أن كوابيسي تذكرني حتى الآن بتركي لآخر خمسة مواضيع في المنهج. ليس لأنني لم أحصل على ١٠٠٪ في الامتحان تلك السنة كانت من نصيبي من فضل الله و لكن لأن كذبة الالمام بالمنهج قد انغرست أعمق مما تصورت في نسيج تفكيري.

ذاكرتُ من مادة الأحياء ما أراه مناسباً. عدد من الجمل في كل موضوع. و بعض المواضيع أعرف تماماً أن المعلمة ستطلب منا الرسمة فقط أو تعداد للنقاط بدون شرح و أنها لن تجروء على طرح سؤال “اشرحي كيف اكتشف فلان كذا و كذا” مثلاً. و بعض المعلومات التي لم تعجبني !  قد حضرت الحصص و أعرف ما تريده منا المعلمة بدون أن تقول ذلك صراحة و لا أحتاج لكثير من الدهاء لأعرف أن بعض المعلومات مجرد شرح أو حلقة وصل لمعلومة أهم و هي موضع السؤال في الامتحان. هذا لا يعني أني لا أعرف كل ما كتب في الكتاب و لكن ليس عن طريق القراءة. لأن المعلمة تشرح و نحن نستمع، و لأنها أعادت شرح كل شي في أسبوع المراجعة، و لأننا نكتب الواجب المدرسي بالأسئلة المهمة و لأنها تراجع النقاط الأساسية كل موضوع في بداية كل حصة جديدة كل هذا يغـنيني عن قراءة الكتاب من الجلدة إلى الجلدة! كل هذا تلميحات غير مباشرة بأولوية بعض المعلومات و اللبيب بالإشارة يفهم.

images

في كلية الطب يطبق نفس المبدأ. لبعض المعلومات أولوية في الحفظ و الفهم للامتحان و لتصبح طبيب أفضل. و كثير من المعلومات مقدمة للموضوع. أو خلاصة قد تكتب أحسن منها. أو ليشعر الكاتب أن كتابه أكثر شمولاً و لأغراض ترويجية لا شأن لمذاكرة طالب الطب بها! و لهذا كنت أذاكر الباطنة في السنة السادسة من كتاب أوكسفورد. كل محاضرات أمراض الجهاز البولي في ست صفحات بحجم كفي و انتهينا! بل و مواضع أسئلة لم يذكرها الدكتور في المحاضرة أبداً. محاضرات اللوكيميا كانت تقارب ٣٠٠ ورقة من محاضرين مختلفين لم أزعج نفسي بها و لكن قرأتها من كتاب شامل لكنه يختصر أهم شيء. ماذا لو واجهت معلومة صعبة أو نسيتها؟ ببساطة أبحث عنها في كتاب أكثر شمولاً كتاب دايفيدسون مثلاً الذي اعتمدته سابقاً و ليس في الانترنت. كم ساعة تعتقد أن زميلاتي قد استغرقن في سماع تسجيل محاضرات اللوكيميا و تلخيص و ترجمة الأوراق ال٣٠٠ و إعادة مراجعتها؟ ثلاثة أيام بمعدل ست ساعات مذاكرة ! و أنا من فضل ربي ذاكرتها بطريقة (معادلة التهام الكتب) في ساعتين تقريباً. لا أذكر أني قد ذاكرت أكثر من خمس ساعات في اليوم بطريقة تنظيم لحياتي لا يختل توازنها و لا أشقى كالبقية شرحتها في مقال تنظيم حياة طالب الطب

مذكرة سايلنت

كنت أضحك على من يسمونني “موسوعة” ليس لأنني أعلم منهن كما يعتقدن و لكن لأني لا أرفض المساعدة و لا أدعي عدم المعرفة كما يفعل بعض المتفوقين من باب المنافسة و درء الحسد. كنت متأكدة بأنهن يقرأن أكثر مني و لكن بطريقة مبعثرة. يركضن وراء تسجيل المحاضرات ويلهين أنفسهن أثناء المحاضرة بالحديث مع بعضهن و شحن جهاز التسجيل! و تملق المتفوقات لتصوير أوراقهن و تفريغات و تلخيصات المحاضرة من كل حدب و صوب. كشفت هذا السوق في مقال (البضاعة السوداء). أشعة الليزر مجرد ضوء عادي و لكنه مركز أكثر في نطاق أضيق و لذلك هو حاد كالسيف إذا قطع! تبعثر الجهود و الوقت و المال لا يأتي بنتيجة ممتازة.

فحص الجهاز العصبي الكثير الطويل الذي يشتكي منه الكثير لازالت صفحاته في كتابي جديدة تلمع! لأنني لم أقرأه يوماً و لكن شاهدت فيديوهات و أنا آكل بذور اليقطين. ثم طبقت ما رأيت على كل من في البيت ثم المرضى في المستشفى و انتهينا! شرحته هنا

Neurologic H&E (PART1)

Neurologic H&E (PART 2)

و في النهاية الكمال في كل شيء و ليس المذاكرة و حسب “وجهة مستحيلة”. فلماذا ترهق نفسك بالقيادة نحوها؟ أذكر إلى الآن محاضرات أوراق مادة النساء و الولادة التي لم ألمسها و كل ندمي ليس على إلمام المنهج و لكن على خمسة عشر ريالاً أو أكثر قد ذهبت سدى. و محاضرات القلب في مادة علم الأمراض التي تركت مذاكرتها و اخترت أن أنام لساعة إضافية ليلة الامتحان. هل تسهر سايلنت ليلة الامتحان؟ سؤال عجيب تكرر من المتابعين و جوابي “نعم” إذا شدني فيلم مغامرات في غابة ما!

 😂

هل تعرف أحد يحتاج أن يتحرر من كذبة الالمام بالمنهج؟ أرسل إليه رابط المقال 

https://wp.me/p4YKt8-1b1 

كيف هي تجربتك مع الالمام بالمنهج؟ اكتبها في ركن التعليقات بالأسفل

أتمنى لكم التوفيق

14 thoughts on “كذبة الإلمام بالمنهج

  1. بالنسبة للطلاب اللي يسألون عن كيف يصيرون دوافير ويحصلون درجات عالية بالنسبة لي في البداية كنت أحسب أني لازم اذاكر من كتب كبيرة مثلاً قايتون للفسيولوجي واني لازم ارجع اسمع تسجيلات المحاضرات>> طبعاً كل هذا كلام فاضي والحمدلله اني رحت وسألت الناس اللي ماشاء الله كانوا أوائل الدفعة وطلعت مذاكرتهم طبعاً مذاكرة الاوائل انهم يحضرون المحاضرات ويفهمون ويرجعون يقرون المحاضرات من ملخصات او اي مرجع بسيط بنفس اليوم مع النوتات اللي وقت المحاضرة ومراجعة مرتين + اسئلة الاعوام السابقة والحمدلله قدرت ارتفع من متوسط الدفعة الى الاوائل وبجهد اقل ومعلومات ارتب وفادتني الطريقة حتى بالمستشفى

    Like

    • لو سمحتي كيف اقدر اراجع محاضرة من مرجع بسيط زي ما قلتي انا احتار ما اعرف من ويين اقراء وذا الشي يخليني ارجع اسمع التسيجل الي يسبب لي صداع لين ما انام

      Like

      • الأسبوعية باعتقادي أفضل. لأنك ستقرأ المحاضرة بنفسية مختلفة و ستلاحظ المعلومات التي يصعب عليك حفظها و تتحسن.
        بالتوفيق

        Like

    • نعم بالضبط، حضور المحاضرة و التركيز فيها و سؤال الدكتور عن الصعب و محاولة الانتباه لمواضع الأسئلة هي مفتاح التفوق.
      تسجيل المحاضرات الصوتي ضياع للوقت.
      شكراً لمشاركتك 👍

      Like

  2. مقال جميل يعطيك العافيه … بس انا عندي مشكله اذاكر الحمدالله كويس لكن احس الأسئله في الامتحان تكون صعبه او بمعنى أصح الي اذاكره احسه شيء غير عن الي اشوفه بالامتحان في شيء ناقص ماني عارفه اكتشفه + كيف اعرف الشيء المهم وتكون مواضع اسئله لاني اذاكر كل شي واحس كل شيء مهم وهذا يضيع الوقت

    Like

  3. ماشالله عليك دكتوره،،
    ايش ناويين تصيروا
    انشتاين او اديسون او نيوتن
    اسلوب والمام وروائيه من طراز راقي اتمنى لكم كل التوفيق والى الامام ان شالله

    Like

  4. Pingback: مـللـت الدراسـة ! | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

  5. Pingback: من أين أبدأ المذاكرة؟ | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

  6. طبعاً مذاكرة الاوائل انهم يحضرون المحاضرات ويفهمون ويرجعون يقرون المحاضرات من ملخصات او اي مرجع بسيط بنفس اليوم مع النوتات اللي وقت المحاضرة ومراجعة مرتين + اسئلة الاعوام السابقة والحمدلله قدرت ارتفع من متوسط الدفعة الى الاوائل وبجهد اقل ومعلومات ارتب وفادتني الطريقة حتى بالمستشفى

    Like

اكــتـب تـعـلـيـقـك أو سـؤالـك هـنـا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.