خطوات اختيار التخصص الطبي المثالي

اختيار التخصص الطبي بعد التخرج من كلية الطب قد يكون أهم قرار في حياتك و أكثر شيء يحدد كيف ستعيش السنوات القادمة من عمرك. عندما تكتشف أن المهنة تأخذ تسع ساعات عمل في اليوم أي ثلث العمر و ربما أكثر للطبيب، ستهتم أكثر باختيار ما يناسب نمط الحياة الذي يعبر عنك و عن شخصيتك. 

كيف تختار برنامج الإقامة دون أن تشعر بالندم؟ بهذه الخطوات التي سأشرحها هنا: 

 Element  :أولاً

حدد ميزتك و موهبتك التي من الله بها عليك. مهما كانت صغيرة بنظرك، فليس عليك أن تكون رساماً لتسمي نفسك موهوباً. قد تكون مستمعاً جيداً أو تتفهم الناس دون أن يتحدثون، لديك ذكاء اجتماعي أو تجيد العمل على برامج السوفت وير المعقدة بسهولة. لك ميزة ترى نفسك فيها أفضل ممن حولك. قد تجيد التخطيط الاستراتيجي و تعرف كيف تفكك المشكلة و من أين بالضبط تبدأ الحل. قد تكون موهبتك سرعة الفهم عندما تتخيل العناصر و ترسمها في عقلك. اسأل نفسك هنا ما الذي أجيده أحسن من غيري؟ و اكتب قائمة بهذا و دعمها بالأمثلة من مواقف حياتك إذا أردت. أو عد إلى طفولتك ستجد الجواب بسرعة. 

يساعدك تحديد ميزاتك و مواهبك أن توظفها في تخصص معين. لأنك عندما تمارس ما يتدفق منك تلقائياً تكون على استقامة و توازن من جميع النواحي. كل يوم يمر بسلاسة لا يراكم عليك غباره و أذاه!  ستكون أكثر هدوءاً و نجاحاً من غيرك عندما تشتد الأمور و تصعب المواقف. فمثلاً إذا كنت تجيد الخياطة و لديك ثبات في يديك تستطيع أن تنجح بإنقاذ مريض في حالة حرجة في جو متوتر وأنت تشعر بالتعب. وإذا كنت تفهم الناس و تعرف دوافعهم أكثر من غيرك و قد من الله عليك بقبول استثنائي، ستنجح أكثر من غيرك في تهدئة مريض يحاول الانتحار أو قتل أحدهم مثلاً. أو لديك قبول عند الأطفال و وجهك بشوش؟ فكر في تخصص يعالج الأطفال مثل جراحة الأطفال أو طب الأطفال. لكن ما فائدة مواهبك إن لم تتعرف عليها و توظفها فيما يخدم البشرية؟ 

إحدى أسوأ النصائح التي تلقيتها عندما كانت في الثانوية هي أن أترك مواهبي لوقت الفراغ و أختار تخصصاً عكسها تماماً حتى أتوسع في الدنيا! أتمنى أن ألتقي بجارتنا التي نصحتني بهذه النصيحة الآن و أحملها صداع اختيار التخصص الطبي الذي ابتلتني به. فعدما كان كل شيء يجرفني لطريق معين، كانت تذكرني نصيحتها بالقبول و الاستحسان الذي أحسست به منها و من والديَّ و الجميع من حولي! بدت نصيحتها في ذلك اليوم براقة و راشدة. لكنها عكس كل القوانين الكونية و ليتني كنت أعلم. تُـنسب حكمة رائعة عرفتها فيما بعد للعالم الشهير أنشتاين تقول ( إذا حكمت على سمكة بمقدرتها على تسلق شجرة  ستقضي عمرها تعتقد أنها غبية) 

Albert Einstein wrote, “Everybody is a genius. But if you judge a fish by its ability to climb a tree, it will live its whole life believing that it is stupid.”

The question I have for you at this point of our journey together is, “What is your genius?”

فكيف تطلب من سمكة ترك السباحة لوقت الفراغ و تعلم تسلق الأشجار كوظيفة يومية؟ و تتوقع منها النجاح و الافتخار بنفسها و التصديق في قدراتها ؟ هل تبذر بذور تفاحة و تقول لها “فاجئيني بقدراتك الأخرى و أثمري موزاً لذيذاً ؟”. لدى كل شخص منا صندوق مواهب أودعها الله فيه. ابدأ بالتعرف عليها لأنها أدواتك للنجاح في التخصص المناسب. اجمعها كلها و انظر إليها مجتمعة و ليست متفرقة فقد تدلك مباشرة على التخصص المناسب! و تذكر أنها أدوات و ليست “وجهات”. فليس عليك أن تصبح طبيب نفسي إذا كنت تجيد الاستماع، فقد يكون طب الأعصاب تخصصك المناسب لأن التاريخ المرضي فيه طويل متشابك غالباً. و قد يكون لديك موهبتي الرسم و التصور الفراغي و تكون جراحة العظام تناسبك أو قد تكون جراحة العيون. لكن ما الذي يحدد أحدهما؟ لا تستعجل و أكمل الخطوات الباقية. 

 Energy  :ثانياً

تعرف على الطاقة التي تعمل فيها بأفضل ما عندك. هل تفضل الهدوء و مجهود جسدي قليل أو متوسط و تعمل فيه بفعالية أكثر؟ (طاقة قليلة). أم أنك تشعر بالملل في ذلك الجو و يرتفع حماسك و تنجز أكثر في (طاقة عالية) و أنت تركض هنا و هناك في مرور على المرضى لخمس ساعات متواصلة؟ و مناوبات ليلية و أنت أكثر انشغالاً؟ هنا يمكننا تقسيم التخصصات إلى نوعين حسب الطاقة، مع تفاوت مستوى الطاقة أيضاً فمثلاً طب النساء و الولادة أكثر طاقة من الطب الباطني لكن كلاهما عالي الطاقة و يتطلب مجهود جسدي. تقسيم التخصصات المتاحة في السعودية كالتالي: طاقة عالية (الجراحة العامة، جراحة العظام، جراحة المساك البولية، النساء و الولادة، الطب الباطني، طب الأطفال ،جراحة المخ و الأعصاب، طب المخ و الأعصاب، جراحة الأطفال، جراحة التجميل و الحروق، جراحة القلب، طب أعصاب الأطفال، جراحة الأذن و الأنف و الحنجرة، العناية الحرجة للكبار و غيرها.

طاقتك الجسدية و مدى تحملك ليست ميزة أو عيب، و إنما مجرد صفة تتواجد فيك لا تستطيع التحكم بها. لها علاقة أيضاً بشخصيتك. فالذي يميل ناحية الانفتاح على الناس مثلاً يكون عالي الطاقة. و العكس صحيح الشخص ذا الصدقات القليلة الذي يستمتع بوقت العزلة و التفاعل مع عدد قليل من الغرباء يكون ذا طاقة منخفضة.  أعرف من زملائي الجراحين ممن يعملون و هم متحمسون لليلة المناوبة القادمة بالذهاب إلى النادي الرياضي! بينما تقضي صديقتي وقتها قبل المناوبة تجمع أكبر قدر من الراحة و النوم.  و بعض زميلاتي في الطب الباطني و طب الأطفال من تصبح قطعة واحدة مع السرير من شدة التعب عند الساعة الثانية بعد الظهر أثناء الدوام. اخترن تخصصات لا تناسب مستوى طاقاتهن. و أخرى لا تنام و لا تجلس حتى في المناوبة اليليلة. بل تبقى مستيقظة تذاكر أو تبحث عن حالات مرضية للتدرب عليها أو تنضم لفريق الطوارئ. هذه اختلافات بين الناس و عليك أن تعرف أنت من أي نوع بالضبط. 

تخصصات تتطلب طاقة منخفضة (الجلدية، طب و جراحة العيون، طب الأسرة، الطب النفسي، الطب الوقائي، طب المجتمع، الأشعة التشخيصية، علم الأمراض، الكيمياء الحيوية السريرية، طب التخدير، الطب الشرعي،  و غيرها) لن تعرف أي مستوى من الطاقة قد تتحمل حتى تجرب هذه التخصصات في الواقع. أذكر أني عندما كنت طبيبة امتياز ، كنت أطلب من قائد الفريق أن يعاملني كطبيبة مقيمة و يعطيني من مهامهم و يسمح لي بمرافقتهم على اختلاف تقدمهم في سنوات التدريب. رافقتُ استشاريين أيضاً و أخصائيين. حتى أن بعضهم حسبني طبيبة مقيمة كما حكيت في موقف جراحة التجميل هنا (لَـم يَحـدُث أبـداً). 

أذكر أنني عملت في مستشفى لا يعتمد على أطباء الامتياز و لا يعين لهم مناوبات ليلية. فأعطيت رقمي الخاص لاستشارية في طب العيون تعمل في مستشفى يستقبل الحوادث و طلبت منها أن تتصل بي في أي وقت تطلبها الطوارى حتى أعرف نوعية العمل الليلي و اختبر مستوى طاقتي و تحملي. ساعدتها في عمليات جروح الجفن و كسور الجمجمة و غيرها و رأيت مناظر مخيفة و بشعة و توتر و تعب لم أعتده في هذا التخصص. لم أكن لأعرف هذا الجانب من طب و جراحة العيون لو بقيت أعمل في عيادة بالنهار حيث العمل بهدوء و عمليات المياه البيضاء السعيدة! البحث عن التجارب أهم ما يبعد الندم عنك بعد اختيار التخصص.

 Environment  :ثالثاً

تعني نمط الحياة بشكل عام. يخطر على بال كثير من الطلاب أن نمط الحياة عند اختيار التخصص هو “راتب الطبيب”  و رصيده بالبنك و نوع سيارته و حجم بيته. هذا أحد الجوانب لنمط الحياة و ليس أوحدها. فالنتفق على أن الطبيب يصرف من الأموال على وظيفته مبالغ طائلة. من ضمان الأخطاء الطبية كل سنة في شركات التأمين إلى رسوم الهيـئة للتجديد و التصنيف و الدورات المطلوبة و غير ذلك الكثير. يسهل المال الحياة و لكنه لا يجعلك أكثر سعادة. فحاول أن توسع نظرتك لنمط الحياة عند اتخاذ قرارك. فكر في البيئة من حولك أو نمط الحياة الذي تتصوره كطبيب بعد اكمال التخصص و أثناؤه أيضاً. هل تتمنـى أن يكون لديك وقت فراغ يومي تمارس فيه الرياضة أو تقضيه مع عائلتك؟ أم تتخيل نفسك تعود في المساء كل يوم منهك لا تهتم بحضور الحفلات العائلية و تنعشك فكرة الدوام غداً أكثر؟ أم تتمنـى أنها بين هذا و ذاك حيث تتحكم أكثر بوقتك و لا تترك الحصول على وقت فراغ للصدف؟ كثير ممن سألني من الطلاب معجب بنمط حياة الأطباء في مسلسل

Grey’s anatomy

ga6

لا نكاد نراهم إلا بلباس المستشفى الأزرق في مشاهد عالية السرعة و مرعبة من الجراحات الحرجة و التنافس الطريف بين الزملاء. و غيرهم من الطلاب ينتظرون مشهد قسم الجلدية بفخر و يشعرون بالانتماء. في المشهد يكتشف الجراحون أن الأطباء في هذا القسم مرتاحون و هم يعملون في بيئة أقل سرعة و توتر.  مع أي العالمين كنت تتحمس أكثر ؟ 

يساعدك أن تقرر هو أخذ الوقت لتخيل نفسك بعد عشر سنوات أو عشرين. لا تتخيل فقط سنوات التدريب و لكن تخيل أنك بعمر الأربعين سنة. أين تعيش؟ و مع من؟ و كيف يبدأ دوامك للوظيفة و متى ينتهي؟ هل لديك مناوبات ليلية كل أسبوع؟ هل تتوقع أن تذهب للبيت عند الرابعة عصراً كل يوم؟ أم أنك تقف على طاولة العمليات حتى بعد المغرب ؟ هل تجلس على مكتب و لا ترى المرضى طيلة اليوم؟ هل تقوم بالتدريس في جامعة بالإضافة إلى دوام المستشفى؟ هل لديك مهام أخرى كمساعد بحث في المستشفى؟ تصور كل شيء و أجب عن هذه الأسئلة.  

قد يتعبر البعض طب الأسرة من التخصصات المريحة و لكنه ممل بعض الشيء. أو أن طب الأعصاب مزعج و مناوباته صعبة و طويلة يقضي معظمها بين مرضى الجلطات في الطوارئ. هنا يجب أن تفهم نقطة اختلاف بيئة العمل و المهام باختلاف المستشفيات و القطاعات. فمثلاً أطباء المخ و الأعصاب في مستشفى عام به وحدة تخصصية للجلطة الدماغية أكثر انشغالاً ممن يعمل في مستشفى تخصصي أو مدينة طبية حيث لا تفتح أبواب الطوارئ فيها إلا لحالات مستعصية و بشروط معينة. قد ينعم بمناوبات خفيفة من المنزل حتى أو بمساعدة فريق متكامل من أخصائيين و أطباء مقيمين باختلاف المستويات و أطباء امتياز. و قد يكون المناوب الوحيد في مستشفى يستقبل جميع حالات الطوارئ الخاصة بالتخصص و كذلك الاستشارات بأقسام التنويم. هذه الاختلافات تنطبق على جميع الأطباء باختلاف مستوياتهم. فقد يفرض مستشفى معين تواجد الاستشاري في الطوارئ في أي وقت من الليل مع كل مريض جلطة أو صرع. و قد يحصل العكس و تحمل مسؤولية متابعة الحالة يكون على الأخصائي و من معه من الأطباء المقيمين. و قد لا يوجد في المستشفى أخصائي نائب أول فتكون المسؤولية على الطبيب المقيم الذي يُمنع من مغادرة المستشفى ليلة المناوبة. هذا الاختلاف ينطبق أيضاً على طب الأسرة في مركز رعاية أولية و بين ممارسته في مستشفيات الحرس الوطني مثلاً أو المستشفيات الخاصة. قد تنزعج مثلاً من ملل ممارسة طب الأسرة في مستوصف صحي و تحبذ الانتقال إلى مدينة طبية أو مستشفى جامعي. هنا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المنشئة التي تعمل بها و تأثيرها على نمط حياتك. 

تذكر أخيراً أن تتعرف على جميع برامج الدراسات العليا المتاحة في البلد التي تريد أن تقدم فيها على برنامج تدريب. ابدأ مثلاً بالتخصصات المتاحة لدى الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في موقعهم الالكتروني هـنـا . و اسأل نفسك كيف يوافق كل تخصص (موهبتك، نمط حياتك و طاقتك) ؟ 

. أشعر بالرعب من الحياة التعيسة التي هربت منها كلما أتذكر أني كدت أن أختار جراحة المخ و الأعصاب كتخصص بناء فقط على الموهبة و الاهتمام و نسيت أمر نمط الحياة و الطاقة. حاول أن تأخذ بعين الاعتبار كل النقاط الثلاث عند اختيار التخصص.

أتمنى لكم اختيار موفق

لمشاركتنا بقصة اختيارك التخصص أو إن كان لديك استفسارات بشأن اختيارك للتخصص أرجو كتابتها بخانة التعليق بالأسفل 

مقالات قد تهمك: 

حيرة التخصص بعد التخرج- قصة مُتابعة

ثلاثون 30 علامة لتخصصك الطبي المناسب  😉

طب الأطفال.. أيها الوحش اللطيف

استفسارات التخصص المناسب

Choosing your Medical Speciality

تخرجت.. و بعدين؟

! خوف الطبـيـبات من النجاح

🙂

9 thoughts on “خطوات اختيار التخصص الطبي المثالي

  1. والله سعادة الدكتورةموضوع مناسب جدا ولكنه فتح علي المواجع
    مواجع سأعود اليها

    Like

    • سلامتك .. من رحم الألم يولد النجاح
      لم تخطئ الطريق و لكنك اكتشفت طريقاً لا يناسبك و هذا يقربك أكثر لاختيار المناسب، و الحياة تجارب. لن يصيبنا إلا المكتوب.
      بانتظار عودتك ☺️

      Like

  2. Pingback: كيف تختار التخصص بواقعية؟-قصة متابع | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

  3. مقـال أكثر من رائع وهادِف ، وبخصوص النقطة الأخيرة .. كنت مهتم واحب جراحة المخ والأعصاب حتى اني كطبيب امتياز اتلذذ واستمتع بساعات العمل الطويلة والاجهاد وشعور اللذة بعد مناوبة طويلة ومجهدة ، وعملت لها ولجراحة الانف والاذن والحنجرة و أيضا جربت التخصص ، حيث كانو خياراتي الأولى ..

    ولكن بعد استخارات واستشارات ، فضّلت الأنف والاذن والحنجرة والتحقت بالبرنامج ولا زال يراودني الحنين لجراحة المخ والأعصاب ..

    فِعلاً اختيار التخصص يجب أن يُبنى على نواحي متعددة كما تفضلتي بالذكر

    اسأل الله الخير لنا والتوفيق جميعاً

    Like

    • جميلة تجربتك ما شاء الله، و فعلاً اللي ينغمس في التخصص و يتعب فيه يتعرف عليه مضبوط يحن له ..
      لكن أنت تختار لحياتك ككل و دايماً تشاور نفسك اللي بعمر الأربعين هل راح تكون مبسوطة من قرارك الآن !

      شاكرة لك تعليقك و أتمنى لك التوفيق

      Like

  4. Pingback: Choosing your Medical Speciality | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

  5. Pingback: ترك دراسة الطب- استفسارات | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

اكــتـب تـعـلـيـقـك أو سـؤالـك هـنـا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.