كيف تستمتع بالحياة يا طالب الطب؟

كنت قد كتبت مسودة لمقال قادم: (كيف تستمتع بدراسة الطب؟) و قد أعلنت عن دنو موعد نشره في صفحاتي الاجتماعية على الانترنت. لكن موجة التعاسة التي أغرقت صندوق رسائلي بأسئلتكم الحزينة و المفتقدة لطعم الحياة جعلتني أتردد في نشره. و لأن مقال (هل تناسبني دراسة الطب؟) أصبح الأكثر مشاهدة و الأكثر حظاً في تعليقاتكم منذ أن أطلقت المدونة كان علي أن أنشر هذا المقال أولا. (كيف تستمتع بالحياة يا طالب الطب) .. 

 

قد شاركتكم في مقال (تنظيم حياة طالب الطب) نبذة بسيطة عن نظام حياتي عندما كنت طالبة أيام الدراسة. و قد ركزت على جانب الاهتمام بجودة المذاكرة و الوقت. هنا سأذكر مواقفي و أسلوبي بشكل عام للاستمتاع بالحياة كطالبة طب قد سلمت ساعتها للمذاكرة و الاجتهاد. لعلكم تجدون الفائدة و تشاركوني طرقكم المفضلة للاستمتاع و الترويح عن النفس أيام الدراسة.

فالنتفق أولاً على أنني أدندن طوال الوقت بالعربية و الانجليزية و الهندية و الأسبانية و إن لم أفهم المعنى! قد يكون هذا السبب الأساسي لكوني “صامتة” فقد استنفذت طاقتي في الدندنة اليومية. الدندنة أثناء المذاكرة و ترتيب الأوراق و غير ذلك تجعل الجو أقل جدية و العقل أكثر تقبلاً للمعلومات. جربوا الدندنة و لن تندموا! 

تجري بهذه الطريقة. كل جملة أذاكرها تذكرني بمقطع من أغنية ما فأدندن بها قليلاً ثم أكمل المذاكرة أحياناً بنفس اللحن.. مثلاً: 

This virus is single stranded DNA

🎶all the single ladies..  

🎶all the single ladies.. 

the heart shape is ..

🎶Now let me show you the shape of my heart . . 

فحص المريض يكون بالتدريج.. السلام عليكم عند اللقاء.. ثم أدندن فجأة برائعة كريم العراقي ! لا مجال ههههه

🎶

هو التقاني مريضاَ تائه القدم  

محطم القلب أدمى إصبع الندم 

كن يا صديقي طبيبي .. وأحتمل ألمي

هل قابلتك هل حدثتها عني

هل حزنها كان أقسى أم أنا حزني

🎶

مع الفحص إذا قال المريض آي يعني ألم داخلي 

Tenderness ..

🎶Ay ay ay ay,
ay ay mi amor,
ay mi morena
de mi corazó

أدندن أغنية “ثريلر” كلما فتحت كتاب الأناتومي لأنها تخطر على بالي في كل مرة أدخل فيها المشرحة حيث أن جثتنا لأفريقي يشبه مايكل جاكسون هههههه. و لأن المزاج اللطيف يفتح الذهن للمعلومات، اكتسبت فائدة لم أكن أتوقعها للدندنة و هي أنها تذكرني بالمعلومات في الامتحان أحياناً. اللحن نفسه يكون أسهل في الحفظ من المعلومة الجافة الجادة. 

ثانياً: إجازات متكررة و ثابتة. كل يوم أعطي نفسي إجازة ساعتين لا أفعل فيها شيئاً يتعلق بدراسة الطب، هذا عدا عن القيلولة التي لا تمتد لأكثر من ساعتين أيضاً. تكون هاتين الساعتين للجلوس مع الأهل و التفاز و الطبخ و العناية الشخصية و ما إلى ذلك من أمور الحياة المتفرقة. 

أما بالنسبة للإجازة الأسبوعية فتكون يوم الجمعة. لا أهدر اليوم في النوم و لكن أستيقظ صباحاً كأيام الدراسة. أنجز أموري المتراكمة و أرتب جدولي للأسبوع القادم و أراجع أدائي في الأسبوع السابق و هكذا.. ساعات طويلة أشاهد فيلماً أو فيلمين على وجبة شهية أجربها لأول مرة أو بيتزا بنكهتي المفضلة! أمارس هواياتي المختلفة و أمضي بقية اليوم في كسل جميل لا أرى فيه ورقة أو كتاباً و لا أشغل نفسي بجدول المذاكرة. هذا لأني في اليوم السابق له قد رتبت غرفتي و ركن مذاكرتي بحيث لا ألمح كتبي أبداً !! إجازة ذهنية لا مثيل لها 🙂

و قد يستغرب البعض عندما يعرف لأول مرة أن سايلنت رغم تعلقها بالطب أيضاً تكرهه أحياناً ! هكذا القلب و شؤونه.. “يكرهها و يشتهي وصلها” .. ففي الأسبوع الثاني من كل ثلاثة أشهر من الدوام المتواصل و المحاضرات الكثيرة، أصاب عادة بالتبلد الدراسي و الفتور الذهني فأقرر الغياب يومين متواصلين أو ثلاثة بحيث تكون متصلة مع عطلة نهاية الأسبوع أيضاً. خمسة أيام من الترفيه و المرح أنسى أني طالبة طب فيها. عندما لاحظت هذا النمط و التوقيت المتكرر، أصبحت أحرص على الدوام اليومي و لا أستهلك غيابي هنا و هناك لأني أتحمس مسبقاً لهذا الأسبوع في ثالث شهر من الدراسة. أعرف أني أستحقه و أعرف ماذا سيعطيني عقلي في المقابل عندما أريحه و أرتاح! هكذا لا أشعر بالذنب كما اشتكى بعض المتابعين من هذا الحمل عندما يقررون الانقطاع عن الدراسة ليوم أو يومين. 

ليالي أبها مغرية فاتنة بعد أمطار الصيف لكنها أشد فتنة في الشتاء الذي أحبه .. في ليلة شديدة البرودة طالت قيلولتي و غضبت من نفسي لأن امتحان الباطنة على الأبواب و الجو مغري في فناء منزلنا و لم أستطع احتواء حماسي داخل غرفتي و بين كتبي فخرجت و لكن ليس لوحدي .. بل مع كومة حطب و شعلة نار و حيرة أهلي  في أمري.. بقيت مستيقظة تلك الليلة في رحلتي “الفنائية” أحتسي شاي الجمر الذي لم  أذق مثله في حياتي و لا أعرف مالذي جرى و كيف أضعت وصفتي الخاصة.. ستظل ليلة الباطنة في الذاكرة الجميلة. كان دوام اليوم الثاني بنصف تركيز و نصف إرادة و لا بأس ،لأني استمتعت الليلة الماضية و صنعت ذكرى جميلة.

ليلة امتحان مادة الأذن أنف حنجرة ( إي إن تي) كانت مشابهة.. شتاء و جمر و شاي له سحر الخمر و شقاوة الاسبريسو.. حتى أن عقلي قد أخطأ التقاط الموجة و أغوته النسمات الباردة و فتح قناة القريحة الشعرية .. فكتبت أبيات فكاهية في هذه المادة و ليس هذا فحسب و لكن نشرتها بين زملائي و زميلاتي تلك الليلة.. كان الامتحان الفصلي مأساوي و كتابنا المقرر دنقرا ثقيل ممل بحثت عن غيره و لم أوفق.. سألت رئيس المادة عن كتاب أجمل فتهكم بي و تحداني أن أكمل فقط قراءة أوراق المحاضرة التي يتصدقون بها علينا. امتحان العملي كان صوراً عجيبة غريبة بالمناظير و العدسات تجلب الصداع و الغثيان عند التمعن فيها! و قد اقترح علينا أحد الأطباء المحاضرين موقعه الالكتروني لنذاكر منه لكنه لم يكن شاملاً و لا يهمنا كثير مما فيه. وسط هذه الفوضى كنت أتململ و أدندن أمام الجمر أنظر إلى السماء الصافية أرسم خطوطاً بين النجوم بلا هدف .. شربت إبريقين و نصف من الشاي و قد هجرت مرقدي فقلت دفعة واحدة و بدون تفكير : 

للإي إن تي بلغ سلامي و اختباراتي البقية

رئيسها نافخ و علومه ردية

ما غير سعال و سعابيل و مخاطيط طرية

احترنا يا عالم و بكره النهائية

من دنقرا* نقرا و لا من العنكبوتية؟

خاطري أجمع أوراقها بحنية

و أشب فيها النار و أسهر الليلية

أسهر أعد نجوم للصباحية

و إذا قالوا امتحانك قم

صكيتها نومة هنية  

بعد أن ضحكتُ كثيراً و كثيراً .. كتبتها بسرعة و نشرتها لتصل كل من في جدوله امتحان إي إن تي .حتى يكون شر البلية ما يضحك فعلاً و الموت مع الجماعة أرحم..  وصلتني ردودهم المضحكة و بعضها كأبيات شعر أشد إضحاكاً و متعة. ليلة لا تنسى .

أحياناً أجلس أمام التلفاز في ساعة ما قبل النوم و قد يشدني فيلم أو مقابلة أو برنامج ما .. إذا كانت رغبتي في متابعته تغلب رغبتي في النوم فأهلاً بالسهر و التمرد! لا أجر نفسي إلى سريري ألعن حظي لأني طالبة طب و علي النوم و الاستيقاظ باكراً. ماذا لو لم أستيقظ؟ سأندم لأني لم أعش اليوم بكل تفاصيله و لم أصنع لنفسي ذكرى جميلة. 

ذكرت لكم هنا الشيء القليل جداً من طريقة استمتاعي بالحياة. هذا لأنها ليست خطة معينة و إنما عقلية و أسلوب حياة عفوي. ضع في بالك فقط أن وقتك كطالب طب “مؤقت”، و أنك ستكبر يوماً ما و تنظر إلى نفسك و تحكي عن مواقفك لأصدقائك و أهلك و أبنائك .. أليس من الجميل أن تكون قد استمتعت بالحياة و تقبلت جميع جوانبها و دافعت عن مكان فرحك فيها رغم كل شيء؟ عندما تتبنى عقلية السعادة ستجذب إليك كل شيء سعيد و كل موقف سعيد و كل شخص سعيد.. و العكس صحيح. عندما يراودك هاجس تغيير التخصص ، فكر أولاً هل تتبنى عقلية النكد؟ قد تكون تعيساً لأنك لا تستمتع بحياتك و محورها الدراسة و لاشيء غيرها. 

أرحب بتعليقاتكم و مواقفكم السعيدة أثناء الدراسة 

🙂

ملحق معاني: 

إي إن تي: ENT مادة الأذن أنف حنجرة

ردية: بمعنى رديئة

سعابيل: ريق كثير متسايل بشكل مقرف

مخاطيط: جمع مخاطة صغيرة  X_X

العنكبوتية: شبكة الانترنت

صكيتها: فعلت بشدة

دنقرا: Dhingra كتابنا المقرر في مادة الأذن أنف حنجرة

3 thoughts on “كيف تستمتع بالحياة يا طالب الطب؟

  1. أنا في السنة الثانية وفي الحقيقة لا شيء من هذا أعرفه، كرست وقتي كله للدراسة ما عدا وقت النوم الذي يكون ٨ساعات ولا يتغير مهما كانت الظروف ووقت الواجبات اليومية الطبيعية كالأكل والاستحمام والصلاة وغير ذلك. ورغم حبي لدراستي إلا أنه تمر علي أيام أشعر فيها بضيقة شديدة وأشتاق بشدة لحياتي التي كانت مليئة بهواياتي وعاداتي التي أحبها قبل التخصص لكن يستحيل أن أترك مذاكرتي وأقوم بفعل شيء منها وأكمل المذاكرة وأنا أقرأ لكن ليس بالقلب المنجذب لما بيدي وإنما بالمشتاق للذة الحياة وفوضويتها، ولو حصل وأخذت يوم اجازة واحد فقط بالشهر فإنني أحتار ماذا أفعل وماذا أترك؟ غير تأنيب الضمير الذي يراودني، ودائمًا ما أشعر أنني فقدت جزءًا من شخصيتي وحياتي لا يمكن أن يعود، لكن وبعد مقالك كأنني عرفت سبب هذا التضجر وهذا الشعور الذي تضيق به نفسي بين الفينة والأخرى وعرفت مالذي ينقص حياتي لتصبح أجمل بعد أن وجدت”العلم” الذي يجذبني لكنني نسيت أن جانب المتعة كأهمية العلم في حياتك. شكرًا لك ومن اليوم سأحاول أن أجعل لي إجازة ثابته ووقت للترفيه عن النفس وأدفع شعور الذنب عني.

    Like

    • أتمنى فعلاً أن تدخل روتين الإجازة الثابتة في حياتك لأن تأثيرها جميل على حياة الطالب. كنتُ أتابع مسلسلاً يومياً بعد صلاة المغرب و أحتسي الشاي الأخضر بالليمون لأستعد للمذاكرة ٤ ساعات فقط قبل النوم. جرب هذه الطريقة ، حيث أن الشاي الأخضر يساعد على التركيز و يصفي الذهن بدون أن يؤخر موعد نومك.
      شكراً على تعليقك ، يسعدني أنك وجدت الفائدة 🙂
      سأنتظر نتيجة تغيير نمط حياتك اليومية، عد و اكتب لي ماذا حدث معك ☺️

      Like

  2. Pingback: مـللـت الدراسـة ! | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

Leave a Reply to E Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.