متى تكون مستعداً لتنضج؟ 

سؤال يكرره المتابعين و المتابعات من شتى مجالات الدراسة و العمل. كيف أعرف أنني أكفي لأعتمد على نفسي؟ أسمع كثير من النصائح و لا أدري ما المناسب منها لأتبعه. أشعر بالقلق دائماً و المسؤولية اتجاه نفسي.. هل هذا هو النضوج؟ لا أهتم بنصائح و اقتراحات الآخرين و لا أحتاج رأيهم..هل يعني أنني نضجت؟ و غير ذلك من الأسئلة التي تتفق في المعنى.. كيف أعرف أنني كبرتُ و نضجت روحياً و فكرياً؟

 أعتقد أن النضوج عملية مستمرة إلى أن يشاء الله، و سيعطيك ما يكفيك من النضوج لتعيش حياتك التي كتبها لك. بالطبع دائماً ما يكون هنالك المزيد لتتعمله من الحياة. لكن السؤال هنا هو “هل تحتاجه؟” .. بداية عملية النضوج طفيفة تكاد لا تلاحظ، لأنها بطيئة ترتسم ملامحها في مواقف صغيرة متفرقة. سأذكر بعض مواقفي هنا. لكن يبقى السؤال المهم كيف أعرف أنها بدأت بالفعل؟ سيحصل معك موقف أو تسمع نصيحة ما، فتجد نفسك في سكون عجيب! انفصلت إلى نفسك تحتفل معها باستقبال تغيرك المفاجئ و الذي لم تتحضر له.. ستجد نفسك أو جزء منها مختلف عما سبق و لن يعود كما كان أبداً.. وضوح فكرة تجعلها تسافر سريعاً إلى ماضيك لتفسر لك الكثير من مواقف حياتك بشكل لم تتعرف عليه إلا الآن! ستشعر أنك كنت “مغفلاً” لبعض الوقت أو بريء متوهم. أعاد هذا الموقف أو الفكرة عدد كبير من حساباتك و كبرت و توسعت حياتك بعد هذه العملية.. باختصار هذه علامتها

You are never the same again. Everything got explained ! 

ascension

قالت لي متابعةُ ذات يوم أرسلتُ لها رابط إحدى مقالات المدونة، (رغم أني قد قرأت مقالك هذا قبل سنة، إلا أني اليوم كأني أقرؤه لأول مرة). كان يغمرها شعور “الاستعداد” الذي لم تعهده من قبل و بدأت عملية نضوجها من فضل الله. دائماً ما أقول لمن يرسل لي رسالة شكر لأن حياته تغيرت بعد أن تصفح المدونة أو ساعدته في شيء ما.. أن الفضل يعود لله الذي كتب أن يكون “التوقيت” مناسباً لأنك مستعد متقبل لنصائح الآخرين ..أبوابك التي سيفتحها الله بفضله و كرمه لتكون متقبلاً لكل دروس الحياة هو ما تحتاجه قبل أن تبدأ عملية النضوج. هنا بعض مواقفي التي فتحت لي عوالم جديدة .. 

491153524

قبل عدة سنوات ، أردت أن أجرب “مذاق” العمل في مستشفى بين فئات من المجتمع لم تكن لي تجربة عن قرب معهم من قبل. أردت أن أمتحن استعدادي لبيئة العمل هذه فيما بعد. لكني لم أفصح لأحد عن هذا الهدف و الجميع يحسب أن حماسي المفرط أخذني لغرف العمليات قبل أن يحين الوقت لذلك حقاً في الخطة الدراسية. تقدم إلي استشاري كبير في السن و عرف عن نفسه ثم عم هدوء غريب و أنا أنظر إلى الأرض أحتضن يداي في توتر فقال ستواجهين الكثير من الأنتي باديز (الأجسام المضادة) كطبيبة لأن مجتمعنا لا يتقبل هذا بعد، فكوني قوية. كانت تلك الكلمات هي كل ما أحتاج سماعه لأكمل طريقي. هو لا يعرف أن توقيتها مناسب و أنا لم أكن أعرف أن وعائها في صدري ينتظرها بفارغ الصبر! أول نصيحة لي كطبيبة و كل ما أحتاجه.. سبحان الله.

d56h6rth

بدأت تدريبي في مستشفى جديد و لأول مرة كطبيبة مقيمة. كانت حياتي مليئة بما يشغلني لدرجة أنها جعلت كل شيء آخر في المرتبة الثانية بالنسبة لها. حضرت في الاجتماع الصباحي الأول محاضرة ألقاها طبيب أخصائي بسرعة البرق قصيرة جداً أعدها في عرض من خمس شرائح فقط و يبدو أن الجميع راضٍ عن أدائه و أنا الوحيدة المستغربة! أين التفاعل و أين الأسئلة و أين الجديد فيما قال؟ و أين الوسائط المرئية و السمعية و ما هذا الأداء الركيك أصلاً؟ ثم حدث أن طلب مني رئيس الاجتماع أن أحضر غداً محاضرة عن دواء معين في مرض ما. فقلت أهلاً بها و بهذا المقياس من الأداء لأن الله الوحيد الذي يعلم أن لا وقت لدي لتحضير محاضرة من الأساس! فما بالك بطريقتي المفضلة. حضرتها مختصرة جافة بدون أي روح كالتي شهدتها عندهم. لكني تفاجأت بنقد شديد المرارة كالذي خطر على بالي عندما انتهى الأخصائي محاضرته أمس! لم أدافع عن نفسي و وعدت الاستشاري بأن القادم أجمل و انتهى. لكن ظل السؤال يشغلني “لماذا أنا؟” كيف تتغير معايير الأداء في ليلة و بدون علمي! هل هناك شيء لم أفهمه في نقده؟ فاستغليت فرصة مناولتي له بورقة توقيع حضورنا في اجتماع آخر بعد الظهر و في غفلة الجميع قلت له دكتور أريد أن أخبرك شيئاً.. محاضرة اليوم لا تشبه أي شيء من محاضراتي التي أعدها، في العادة تتميز بكذا و كذا و كذا.. لا أعرفكم و لا تعرفونني و كل شيء جديد و لم أعرف ما تريد مني بالضبط. فقلدت طريقة إعداد المحاضرة التي كانت في اجتماع الأمس و استغليت بقية الوقت في القراءة و أموري الأخرى كل هذا و أنا أنظر إليه في استغراب فقال و قد قطب جبينه و انحنى نحوي:

Always be the best version of yourself 

و تعني (كوني دائماً أفضل نسخة عن نفسك) “دائماً حضري محاضراتك و ألقيها بطريقتك و لا تقلدي أحداً. مهما كنت مشغولة ، ليس هذا و حسب و لكن احتفظي بها مؤرخة لتعدلي فيها المعلومات الحديثة عندما تلقينها في مؤتمرات و مناسبات أخرى قادمة من حياتك”. اختفى الجميع من مجالي البصري وقتها و لم أعد أسمع إلا كلماته تتكرر في عقلي.. هكذا بدت لحظة النضوج وقتها. و تغيرت للأبد فعلاً في ذلك الجانب.. 

signs-of-a-spiritual-awakening

و لأنها الحياة، ليست جميع النصائح من هذا النوع الجميل. فقد تلقيت مرة نصيحة لا تقل دناءة عن صاحبها تقول: (دائماً قولي نصف الحقيقة). إحدى طرق التلاعب بالناس و الحقائق نصحني بها أحدهم عندما شاء القدر أن يكون موجوداً عندما حدث خلاف بيني و بين شخص عزيز علي. أراد أن يتدخل ليحل الخلاف و يعيد المياه إلى مجاريها و سألني عن سبب ما حصل فقلت له كذا و كذا. أخبرته باختصار شديد لب المشكلة و محراكها الأزلي فابتسم و قال (دائماً قولي نصف الحقيقة) .. و عندما سألته كيف؟ راح يشرح لي كيف يتلاعب بالناس بحيث لا يأخذون منه حق أو باطل و لا يصلون معه إلى حل نهائي بكل دهاء.. تفاخر أمامي بعدد من الناس الذين غشهم و كذب عليهم بنفس الطريقة. فجأة انطلق شريط مواقفه معي و كيف كنت أكتشف خداعه و لكن بعد فترة طويلة من الموقف و أغضب كثيراً.. كمواقف كثيرة معي و مع غيري تفسرت تلقائياً في مشاهد تراءت أمام عيني و لم أعد أشعر بالأرض تحتي.. هذه النصيحة بالذات علمتني بأن أحكي كامل الحقيقة و لكن لمن يستحق سماعها فقط. ليست كل الأسئلة تستحق أصحابها و لستُ مجبرة على الإجابة تحت أي ظرف! 

 

ما النصيحة أو الموقف الذي نضجت معه و غير حياتك للأبد؟ 

5 thoughts on “متى تكون مستعداً لتنضج؟ 

  1. موقف صار لي وانا بالثاني ثانوي لما افترقت انا وصديقة طفولتي لاسباب ما قدرنا نتغلب عليها ،ذاك الوقت كان الاسوء بالنسبه لي لكن كانت نقطة تحول عظيمة صرت اعتمد على نفسي واكون علاقات واتعرف واجهه كثير اشياء ، (وعسى ان تكرهو شيئا وهوخيراً لكم ) احمد ربي كثير الي مريت بهالمرحلة

    Like

    • نعم صحيح. المواقف التي تجعل حياتنا أوسع هي مواقف نضوج مهما كانت مرارتها. الله يرزقنا و إياك الصحبة الصالحة 🙂

      Like

  2. في مرحلة ما -في الماضي- كنت اظن نفسي نضجت تماماً بل كان هنالك من يلقبني “بالعجوزة” و “الحكيمة”
    ولكنني مؤخراً بدأت أظن بأنني اسير في طريق معاكس للنضج
    وهو طريق النكوص
    “regression”
    فتصرفاتي و افعالي في المرحلة الحالية هي ابعد ما تكون عن النضج
    وصرت اتهرب من تحمل المسؤولية في كثير من جوانب الحياة الطبية و غيرها
    لهذا لا تعلمين كم أفادتني قراءة تدوينتك هذه -اللي جت في وقتها- و وصفك بالنضج بأنه مرحلة مستمرة
    وأنه
    “trail and error”

    Like

    • أهلاً عزيزتي ..
      أحياناً التهرب من المسؤولية هو نوع من النضوج و الذي تكون إحدى خصائصه قلة الصبر على الدراما و الأمور التافهة التي تأخذ من وقتنا و جهدنا. ..
      Low tolerance for drama
      ننتقي بعناية أكثر ما يدخل حياتنا و نعطيه من طاقتنا.. لا أعتقد أن هذا هروب من المسؤولية ..
      يعني أن تتنبئي بالإزعاج الذي سيلحقك لو اخترتي المسؤولية المعينة و لذلك تتجنبينها.
      يسعدني أن التدوينة أفادتك .. أتمنى لك السعادة.

      Like

  3. Pingback: كيف تختار التخصص بواقعية؟-قصة متابع | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

اكــتـب تـعـلـيـقـك أو سـؤالـك هـنـا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.