عقدة مقارنة نفسك بالآخرين

معظمنا كعرب تربينا في مجتمعات تقارن الأطفال ببعضهم طوال الوقت كنوع من التحفيز. كلنا سمعنا جملة ، كن أحسن من أخيك ، كن أحسن من ولد جارتنا، كن أحسن من زميلك فلان ..الخ. مقارنة مستمرة تشعر معها أن لا قانون واضح و محدد لبلوغ الأفضلية و لكن مطاردة مستمرة للتميز و لا أثر لخط النهاية. بعضنا ينفجر باكياً عندما لا يلقى التقدير من والديه على اجتهاده لأن كلمة مبروك دائماً ما يعقبها و ماذا عن فلان؟ من كان الأول على فصلكم؟ هل حصل أحدهم على الدرجة الكاملة؟ و لسان حاله يقول ألا ترونني؟ أليس لتعبي عندكم قيمة أو أهمية؟ و هذا النوع سيتحرر من مطاردة رضاهم يوماً ما بكل شجاعة لأنه أذكى من أن يصدق أن لسوء المعاملة هذه نية حسنة و يعرف تماماً أن منبعها نرجسية الآباء و الأمهات الذين لا يرون أبنائهم إلا كأدوات لتلميع صورتهم أمام المجتمع و حسب. و بعضنا يتجاهل هذا في برود ظاهري و هو يحترق من الداخل لأن لا شيء يفعله يستحق الرضى و هذا النوغ غالباً ما تجده في طريق الإنحراف ليعبر عن غضبه اتجاه العالم الجحود. ينغمس في عادة مدمرة كالتدخين و المخدرات أو السرقات أو يصاب بمرض نفسي و غير ذلك. أما النوع الثالث فهو الذي يجاهد طوال عمره للوصول إلى “الأرض الأفلاطونية” محطة المتميزين الخارقين للعادة. تجده متنافس شديد لا يسمع عن مسابقة إلا و يشترك فيها. فكرته الوحيدة عن المرح في التجمعات هي “هيا لنتسابق”  كل شي ء يراه بمنظار المنافسة ولا يعترف بمشاركة العلم و النجاح و الفرح لأنها أمور شحيحة  بالنسبة له و لم تخلق إلا له. هذا النوع مجتهد لديه قوة تركيز عالية لكنه لا يستمتع بنجاحه و لا يسترخي أبداً. عندما كان طفلاً كان يحتفل به أبواه عند كل نجاح أمام الناس. لكن بينهم و بينه لا يفتخرون به “كما هو” بل يرمون على ظهره في ساعة احتفالهم به حمل تحد آخر.. “مبروك يا ولدي المركز الأول في الثانوية، و العاقبة  للمركز الأول في الكلية!”  يفني عمره في اللحاق بالمركز الأول  في الكلية و ينسى أثناء ذلك أن يعيش الحياة بكل منعطفاتها. لأنه يعرف أن حب والديه و تقبلهما له مربوطان بشرط المركز الأول في الكلية! يفضل الموت على أن يخيب ظنهما فيه. قدما له وصفة التعاسة عندما كان طفلاً و لم يجروء على صدها و تغييرها بعد أن كبر. جبان أمامهما و شجاع أمام العالم. تعرفه من بين ألف لأن الخسارة مهما كانت صغيرة تقتله. يسقط في حفرة اكتئاب شديد عندما يخسر شيئاً بسيطاً .. درجة في امتحان ما ، مباراة ركض، مسابقة مدرسية ..لم يمدحه مديره على فكرته …الخ. 

img_2739

أريدك أن تعلم أن هذه الطريقة في تحفيز الأطفال و البالغين خاطئة بكل المقاييس. لأن آثارها سيئة على النفس مهما كانت نية الشخص المحفز و الذي يريدك أن تنجح. و إن حكت السطور هذه قصة حياتك فآن الأوان لتكسر هذه الحلقة و تنقـذ الجيل القادم. قرر فقط أنك لن تحفز أبناءك و بناتك و طلابك و موظفيك بهذه الطريقة المدمرة. هذه الطريقة في التربية و المعاملة و غيرها الكثير تجعل الشخص يقيس ” أهميته كإنسان” بمقياس الأمور المادية. و هذه مخاطرة عظيمة تهدد صحته العقلية و راحة باله. و تجعل احترام الشخص لنفسه رصيد دائن و ليس استثماري يزيد مع مرور السنين.  كخريج الثانوية في المثال أعلاه. عندما سمع جملة ” و العاقبة للمركز الأول في الكلية” مباشرة أخذ قيمته كإنسان و سعادته و بدأ يقيسها بمقياس المركز الأول ، فإن حصل عليه زادت قيمته و إن خسره فقد خسر احترامه لنفسه و فخر أبويه و قيمته أيضاً ! 

عندما يقارن المربي ولده بزميله في الفصل هو يزرع فيه بهذه الطريقة “مشاعر العار” اتجاه نفسه التي تقول “أنت لست جيد بما يكفي” و هذه الطاقة السلبية هي التي تدفعه للنجاح. هو لا يركض راغباً في المركز الأول و لكنه يركض هارباً من المركز الثاني ! مكتئب في ليلة الامتحان ينسى النوم و الأكل و الراحة و أساسيات الحياة لأجل أن يكون أحسن من زميله. بعد الامتحان يبكي و يغضب و يحزن إذا خسر درجة أو حصل زميله الذي قارنه أهله به على درجات أعلى منه! أو مدحه أستاذهم أمام الجميع أو حصل على جائزة.  و ليس هذا فحسب ، بل إن هذه العقلية تخلق العداوات و تجهض كل فرصة في أن يكون هذا الزميل صديقه في يوم من الأيام ! مثل زميلتي هـــنــا . لأن هذا الشخص يقارن نفسه تلقائياً بالآخرين و لا يختار كأصدقاء إلا من يشعر أنه أحسن منهم كي يمشي متباهياً بينهم أو من يرى أنه قد يستفيد من نجاحهم لصالحه بشكل أناني. مثل أن يتقرب من أحدهم ليصبح “شريكه في الغش” في اختبار ما و قد حكيت قصة مرعبة حصلت لي في كلية الطب  هــنــا (في الركن البعيد الهادي

المقارنة بالآخرين أيضاً تزرع بذور الحسد و الغيرة في نفس الطفل. ينظر إلى منافسيه نظرة الحجارة المزعجة على طريقه. يحاول أن يتخلص من وجودهم بكل الطرق. لأن لولا وجودهم لما اضطر أهله أن يقارنوه بهم. و لذلك تجد كثير من المتنمرين يسلطون أذيتهم على الأوائل في الدفعة و المتفوقين. يلقبونهم بألقاب ازدرائية كثيرة مثل _و أذكر النظيف منها فقط_: دافور، نيرد، حق كتب، دودة، بروف ، خدام المدرسين ..الخ. و قد تصل إلى أذية جسدية كما حكيت هـنـا (هذا ما حصل عندما نافسوني) أذكر زميلة أتت راكضة إلي بعدما أعلنوا عن نتائج امتحان ما في الكلية تسألني كم درجتك؟ قلت لها “سي جيد” أخذت نفساً عميقاً و ابتسمت و هي تقول الحمد لله أنا “سي بلص” جيد مرتفع..ههههههه شر البلية ما يضحك فعلاً. ماذا كانت ستفعل لو أخبرتها بدرجتي الحقيقية؟ و التي لا تستحق أن تعرفها لأن سجلي الأكاديمي ليس من شأنها أساساً. و أذكر غيرها زادت المعيار و دست أنفها في حقائبنا تجمع أرقام سجلاتنا المدنية من هوياتنا لأنها كانت كلمة السر التي وضعتها الجامعة لسجلاتنا الأكاديمية آنذاك. كانت تحترق شوقاً لتعرف معدلاتنا الجامعية عندما تنشر في سجلاتنا بعيداً عنها في الصيفية. لا أستطيع أن أتصور حجم كرهها لنفسها و حزنها لأن والديها لا يفتخران بجهودها و هي في جهاد مستمر معهم تلهث وراء فخرهم الذي لن تحصل عليه. أو عندما تكتشف أن معدل زميلتها فلانة أعلى من معدلها بمراحل فلا تفرح بالرقم الذي حصلت عليه. 

باختصار .. الفكاك من هذه الدوامة _إذا ابتلاك الله بها_تحتاج إلى شجاعة منك و اجتهاد طويل مع نفسك لتتخص من كل احتقار للذات و الذي تناولته مرغماً بالملعقة عندما لم يكن لك حول و لا قوة. تعرف أنك شفيت من هذه العقدة، عندما تكره أن تحصل للآخرين و عندما تدافع عن طفل يتعرض لهذه الأذية أمامك بكل شجاعة. و عندما تتقبل خسارتك كما تفرح بنجاحك من كل قلبك و إن لم تجد من يحتفل بك.  

شارك قصتك و مواقفك.. 

ما رأيك بمقارنة الناس ببعضهم لغرض التحفيز؟

أتمنى لكم راحة البال.  🙂

7 thoughts on “عقدة مقارنة نفسك بالآخرين

  1. فعلاً المقارنة قد تصل الى مراحل مدمرة للنفس
    اجدتي وصفها بقولك ” لا يركض راغباً في المركز الأول و لكنه يركض هارباً من المركز الثاني”

    ومن رايي على الرغم من سوء الركض في هذا المضمار الى ان الشخص الذي يركض على الاقل افضل من غيره الذي يقف ساكناً ويقارن نفسه بالاخرين ومن ثم يحاول ان يقفز قفزة او اثنين محاولاً اللحاق بالركب .!

    فهذا يعيش نكد وهم .. لانه لم يصل الى المركز الاول ولا الثاني
    ولم يرضى بمكانه في اخر الركب .. بل هو معلق بين هنا وهنا .!

    على الرغم من الم المقارنة بالنسبة له الا انه يعتقد ان المقارنة هي القوة الدافعة له
    على الرغم من ” أضرارها الكثيرة ” الا انه يراها تجعله يحاول ان يحلق بالركب على الاقل

    Like

    • أهلاً بك ..
      وصفتَ النوع الذي استسلم و تخلى عن نفسه لأنه صدق كل مقارنة غير عادلة و خسر فيها. و لهذا النوع ميزة عجيبة ، فهو يمضي ساعات طويلة يحيك بدهاء خطة غش و يكتب البراشيم و لا يستثمر وقته في المذاكرة مثلاً لأنه صدق بشكل عميق أنه ليس بذكاء الآخرين! لا يتقبل المساعدات و يفضل الطرق المختصرة للنجاح. لكل شخص جهاده مع نفسه ، لن يخلصه منه إلا هو.

      شكراً لتعليقك . 🙂

      Like

  2. فعلا المهم ان نصل لمرحلة التوقف عن ارضاء الوالد الذي لايرضيه شي ونرضي انفسنا

    Like

  3. د.سايلنت موضوع رائع جدا جدا الى بكرة 🙂 ممكن اضيف نقطة ان الانسان لابد له كل فترة من خلوة بنفسه يعرف من هو ماذا يريد يتخيل حياته بعد ٢٠ سنه عندما يبدأ نهر الشباب بالتجدول والانحسار هل سينظر للخلف فيرى انه حقق فعلا النجاح او الحياة التي أرادها هو لنفسه أم انه عاش واتخذ قرارات حياته في ليل المقارنات المظلم يتلمس رضى من حوله ثم يكتشف انه وصل أخيرأ لكن للمكان الخطأ ,, صياغة وتحديد ماذا أريد وماهو النجاح وتعريفه في مرحلة مبكرة من الحياة يجنب الانسان قدرا كبيرا من العناء عن تجربة ,,اكرر شكري لك رزقك الله التوفيق والهمة وحسن العمل في كل خير

    Like

  4. Pingback: !الـشعـور بـالـفــشـل | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

اكــتـب تـعـلـيـقـك أو سـؤالـك هـنـا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.