الحسد و المنافسة الشرسة.

للمُتابعة الوحيدة التي سألتني عن خوفها من الحسد و لم أجبها حتى الآن. هذا المقال إهداء لكِ.

hand-print-dripping-black-paint-concrete-wall-splash-next-to-45996679

في يوم عادي في سنواتي الأولى بالجامعة. يجلسنشلة الغجرفي طاولة بساحة الجامعة بين محاضرتي التشريح و يبدو أن الطرائف هذه المرة هي موضوع جلستهن. خرجتُ من القاعة لأنتفس الهواء المنعش بين محاضرات اليوم الطويل. صاحت إحداهن سايلنت تعالي شاركينا و أصرت كثيراً ثم قامت تجرني لأنضم إليهن. و ما إن جلست معهن حتى بدأ مهرجان النهيق و الزغاريد و الغناء فاهتزت الطاولة أو بالأحرى الدور الرابع كاملاً. تجاهلن طلباتي لهن بالسكون و خفض أصواتهن.. لكن قبل أن أغادر هذا المشهد الهابط التفت حولنا مجموعة من المشرفات الغاضبات. و تم بالطبع قيادتنا في منظر مخزي إلى مكتب العميدة. ليس هذا ما أزعجني و لكن كيف واصلن الضحك و الصراخ طوال الطريق بين الأدوار الستة و كأن الطريق إلى مكتب التهزيء و العقاب معروف جداً و أمرٌ اعتيادي. أين شعورهن بالندم و الخجل و العار؟ لماذا لا يحاولن إقناع المشرفات بالعدول عن عقاب العميدة و الإنذار الأكاديمي! كأنهن ينتظرن ما حصل لاحقاً. في مكتب العميدة تم التحقيق معنا جميعاً و فرادى أيضاً. عندما جاء دوري، دخلتُ إلى مكتب العميدة و قد ميزت من فضل الله من منظري أني لستُ عضوة فيشلة المرحأو الطقاقات كما تحب أن تسميهن. تحاورنا بهدوء و سلام و تعرفت عليَّ كما يجب و انقلب هذا الموقف بخدمة عظيمة لي لم أكن أنتظرها استمرت لسنوات. ما كان المغزى من تلك الحادثة؟ ببساطةحملة تشويه سمعةلأن البحث في تاريخ سايلنت المسالمة لم يزودهنبذخائريستخدمنها ضدي فقررن صناعة تاريخ جديد لسايلنت مشوه كأرواحهن. و لأن الغريق لا يبالي بالمطر، لم تهمهن سمعتهن من الأساس. تلى ذلك حملات كثيرة وصلت إلى ما وصلت إليه. سبحان الله ، كلما حاولن أذيتي أكثر كلما أرسل الله إلي إنساناً جميلاً من الذين آثروا التعرف على سايلنت من سايلنت نفسها و ليس مما يُشاع عنها. و انسلخت الأقنعة الكاذبة عن آخرين.  نعمة في ثياب نقمة كما يقال. اللهم لا اعتراض

15965004-_sx540_

قبل امتحان الرياضيات النهائي بأسبوعين، و عندما قررت المعلمة جمع الدفاتر لتضع الدرجة النهائية ،ضاع دفتري العزيز ! دفترٌ امتلئت صفحاته بالنجمات و الدعوات بالتوفيق من معلمتي. و قد سافر مرات عديدة إلى مكتب الإشراف بمدينتنا كمثال على الدفتر المثالي و الخط المرتب! دفترٌ تطلبه معلمتي قبل الامتحانات حتى تكتب أكثر من نموذج للأجابات و حل المسائل بطريقةسايلنتلتستطيع أن تصحح ورقتي في الامتحان بدون مُسائلة. و ذلك لأن التنبؤ بالطريقة التي قد أستخدمها في حل المسائل الحسابية و الهندسية أمر صعب. دفترٌ تجد فيه بصمات الجميع من زميلاتي في شعبتي و الشعب الأخرى. مليء بطوابع الزهور و رائحة العطور كشكر و امتنان من زميلاتي بعد أن يعيدنه إلي. غلافه لا تجد مثله في المكتبات لأنه من تصميمي الفريد بحسي الفني الخاص. ضاع دفتري قبل جولة جمع الدفاتر للمرة الأخيرة. بحثتُ عنه طويلاً و طلبتُ معلمتي أن تضع لي الدرجة التي نعرف أنا و هي أنها كاملة بدون أن تراه هذه المرة لأنها تعرفه. و من المستحيل أن تجد فيه مسألة غير محلولة في قسم الواجبات. لكنضمير العدلفي صدرها أبى أن يتغافل.

فضياع الدفتر أصبح حكاية المدرسة ذلك الأسبوع. و سمعة المعلمة على المحك أيضاً لأن ضميرها تحت الاختبار و لا مجال لأن تخسر. كان الحل الوحيد هو أن أعيد كتابة الدفتر في وقت قياسي.. في ثلاثة أيام و أن أسلمه للمعلمة قبل الامتحان بيومين. و هذا ما حصل ، ففي عطلة نهاية الأسبوع كتبت الدفتر في جلسة واحدة من شدة غيضي و بلون قلم واحد. لا وقت لأعيد له بهرجه و لا حتى رائحته الزكية. أعلم تماماً أن المعلمة ستضع لي الدرجة كاملة و لا تريد إلا إثباتاً ينقذ سمعتها كمحكِّم عادل. بعد الامتحان التاريخي.. وجدتُما يشبه دفتريمرمي في مكان جلوسي المعتاد لكي أحظى بعزاء كامل الملامح .. ممزق ، مبلل ، رائحته كروث بقرة كانت مريضة بفطر العفن. أخذتُه لمعلمتي لينالها ما نالني من الأذى و لتعرف فقط أن عدلها المزعوم ظلمني حيث لم تقتص لي من كيد زميلتي الحاسدة. لكن من لطف الله بي ، كانت إعادة كتابة هذا الدفتر أجمل ما حصل لي. لأني راجعت منهج الرياضات للامتحان دون أن أشعر ! و اكتشفتُ بعض المسائل التي كنتُ أحسبني فهمتها و صححت فهمي لها. لاحظتُ أيضاً أن إعادة الكتابة تُثبت المعلومة و من ذلك اليوم و الكتابة تكتيك جديد في طريقة مذاكرتي . حصلت على الدرجة كاملة بفضل الله و لم أرسب كما كانت تتمنى زميلتي. علمتُ فيما بعد أن أساليب منافستها انتقلت إلى مستوى أعلى حيث أشعلت النار في ثياب زميلة لها في المدرسة. بعد أن غادرتُ لأنها لا تزال تدرس في نفس السنة للمرة الثالثة. اللهم لا شماتة

7951

يحاول بعض الناس في البداية أن ينافسوا غيرهم بما يرضي الله و في نفس مجال المنافسة كالتحصيل العلمي مثلاً. يحصل هذا النوع من المنافسة قبل الوصول إلى مرحلةالسحب إلى الحضيض لاستحالة الصعود ” . يضع أمام عينيه طالب ما و يقارن نفسه به طوال الوقت و بعد كل امتحان. إذا حصل على درجة أقل منه رغم أنها غير كاملة تحولت حياته إلى جحيم. أما إذا حصل على نفس الدرجة فهو السعيد المتفاخر بنفسه و قد يحمل نفسه ليصبح صديق منافسه في ذلك اليوم فجأة. لأنه وصل إلى مستوى منافسه أخيراً و قد تساوى معه. و لأن إحساسه بأهمية نفسه مرتبط بدرجاته ارتباطاً شديداً و بمقياس فلان ابن فلان. أما إذا حصل على درجة أعلى من منافسه فيا أرض فجري ينابيع الفخر و السعادة و الشماتة أيضاً. يتعمَّـد ذكر أدائه المثالي في الامتحان و يكررعنواندرجته أمام منافسه كثيراً. و ليس هذا فحسب بل يرفع نفسه و قدمه تدوس على الآخرين و جميع تعليقاته على نتائج الامتحان الذي انتصر فيه كالآتي: الامتحان سهل جداً لا أعرف كيف حصلوا الأوائل على درجات سيئة. و لكن السؤال رقم كذا و كذا كان الفاصل بين العباقرة و أَكَـلَة الكتب. لم أكن أعرف ذلك لأني أجبت عليه مباشرة ! و تخيلوا .. كدتُ أن أختار إجابة خاطئة على كذا و كذا ( أغبى سؤال) من قوة حماسي. .. الخ. تعليقاته تناقض بعضها ، يرفع نفسه ثم ينتقص الأخرين. الامتحان سهل لكن فيه سؤال للعباقرة .. يتفحص طوال الوقت في عقله و بشكل وسواسي ماذا سيفكر الآخرون عندما يسمعون تعليقاته. لأنه عندما قال الامتحان سهل . خشي أن يقولوا عنهغبيلأن هذا السبب الذي جعله يحصل على درجة عالية. فأدلى بتعقيب يلملم ماء وجهه به و قال: هناك سؤال للعباقرة! قد يتجرأ بعضهم ويعزيمنافسه من أكلة الكتب قائلاً: سلامات يا صاح ! هل كنت مريضاً قبل الامتحان؟ كلنا استغربنا أنك حصلت على هذه الدرجة السيئة الهابطة النازلة القليلة الشحيحةالمخيسة” ..باختصار يضع الملح على جروح الآخرين و يرقص. ما أردأها من نفس و أذلها من عقلية

ذكرتُ سابقاً قصة تحكي خبث الغشاشات في مقال : ( في الركن البعيد الهادي) فحتى تهمة الغش حاولوا الصاقها بي بشتى الطرق و في أكثر من موقف. و لكم أن تتخيلوا إلى أين قد ذهب بهم حسدهم و منافستهم البعيدة عن الشرف. تُهم أخرى أستحي و الله من أن أكتبها هنا. يكفيني أن يرونها في صحائفهم يوم القيامة إن لم يتوبوا. صحيح أني أغلقتُ باب التواصل طالما يحتفظون بهذا المبدأ في التعامل  ، و لكني سأفرح إن سمعتُ طرقة ندم ذات يوم و سأفتحه بكل تقبل و صفاء. يعرفون أين يجدونني. و لأنهاالدنياو ما فيها من تناقضات، التقيت من فضل الله بمنافسات أقل ما أقوله عن أرواحهن أنها قِطَع من الجنة. شرف المحاولة و عقلية الوفرة و حب الخير كانوا نسيج منافستنا لبعضنا. قد أذكر بعض هذه المواقف في مقال قادم. و أنت كيف كانت تجاربك مع المنافسة؟

لكل من يخاف من الحسد و الحاسدين، أقول احفظ الله يحفظك . كما سيتولى الله حُسادك  و يغنيك من فضله و يرد كيدهم في نحورهم بشكل لا تتصوره. أرسلهم الله ليذكرك أنه أنعم عليك و فضلك على كثير من خلقه. و لذلك سيذكرونك أيضاً بشكر النعمة و بأن تتواضع و تؤمن بأن الله قادر على أخذها منك في أي لحظة. أتمنى لي و لكم تمام النعم في الدنيا و الآخرة.

كالعادة . . أرحب بتعليقاتكم بالأسفل 

moving smile

كيف يدخل الحسد إلى نفسك ؟ و كيف تحمي نفسك منه؟ 

اضغط هــنــا لتعرف أكثر 

6 thoughts on “الحسد و المنافسة الشرسة.

  1. طرحك في غاية الجمال لموضوع قد تسبب لي بمتاعب كثيرة عند تخرجي من الثانويه ،ولكن بفضل الله كنت قد تغلبت على هذه المتاعب والالآم .وأجمل نصيحة أختتمتي بها مقالتك هي (أحفظ الله يحفظك
    (
    فعن تجربه، الحسد قد يرمي بك في الأسرَّة البيضاء لأنك كنت غافلة عن أذكارك .
    تحياتي لك❤

    Like

    • شكراً لك 🙂

      قد جربت الأسرة البيضاء بسبب الحسد عندما كنتُ أجهله اللهم لا اعتراض. نحمد الله على كل حال و نحمده أكثر أن ذكرنا بالصبر و ذكر الآيات في كل حين. لا يأكل الحسد إلا صاحبه نعوذ بالله منه.

      أتمنى لك راحة القلب و التوفيق في الدنيا و الآخرة🌷.

      Like

  2. طرح رائع وجميل ،، دمتِ مبدعة 👏🏻

    الموضوع هام جدًا ولا أظن أحدًا سلك طريقًا للمعالي إلا وكان له وافر النصيب من الحساد وذوي النوايا السيئة ..

    وفيما يخص تجاربي في التعامل مع الحسدة وأصحاب الغيرة الشديدة فأرى أن الابتعاد عنهم قدر الإمكان خير سبيل ، لأن قربهم متعب وسبب في ضياع وتشتت الكثير من الجهد .. وقبل ذلك يجب علينا أن نتوكل على الله حق التوكل وأن نعتمد عليه فهو الحافظ وهو الموفق والمعين لكل خير ..

    Like

    • شكراً جزيلاً أخي الكريم .. 🙂

      بالتأكيد النجاح يأتي معه بضريبته من الأعداء و الحُساد. الابتعاد عن بعضهم قد يكون كافياً لكن من تجاربي أوكد لك أن بعضهم “شرير” يحتاج إلى هجوم مُضاد و دفاع قوي لإيقافهم عند حدهم. مثل المذكورة أعلاه بقصة دفتر الرياضيات. هذا يعتبر من
      Conduct disorder !
      يحتاج مثل هذا السلوك إلى تدخل طبي و علاج سلوكي و قوانين صارمة تحد من تكراره. لكن التساهل و التسامح دائماً ما يكون الحل الأول و الوحيد بالذات في المدارس و الجامعات للأسف.
      حمانا الله و إياك منهم .
      شكراً على تعليقك و متابعتك.

      Like

  3. Pingback: كيف تتعامل مع لؤم الزملاء؟ -قصة مُتابعة | ’Medic Of Glory

  4. Pingback: عقدة مقارنة نفسك بالآخرين | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

اكــتـب تـعـلـيـقـك أو سـؤالـك هـنـا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.