! مجموعة انسان

في ليلة شتوية في مدينة جدة الجميلة دخلنا فروع إحدى الأسواق الكبيرة ثم انفصلنا عن البقية أنا و أختي الصغيرة نبحث عن ركن الألعاب. فجأة ارتفع صوت موسيقى لأغنية ما من ركن الأجهزة الالكترونية. لم ألحظ أن أصابع أختي قد انسلت عن أصابعي عندما رأت ركن الألعاب و توجهت نحوه مسرعة، لأني توقفت عن الحركة و انفصلت عن الواقع في تلك اللحظة! استمر صوت الموسيقى ثوان قصيرة و مع انطفاءة الجهاز اللعين عدت إلى الواقع و كأن أحداً رمى بي على أرض صلبة! لماذا؟ أين أنا ؟ هل أعرف تلك الفتاة التي تلوح بيدها و تنادي باسمي في ركن الألعاب؟ لا يهم .. ماهذه الموسيقى ؟ و لماذا شلّت جسمي بهذه الطريقة؟ هل هذا ما يسمونه طرباً؟ لكن لاحت أمام ناظري ضحكات صديقاتي و أهلي عندما يهزؤون مني و هم يتمايلون في خط واحد لأني لا أستطيع الوصول لمرحلة الطرب مهما كانت روعة الموهبة و عذوبة الصوت.. بالنسبة لي أرى أن محمد عبده خنين و أم كلثوم جهورة و لا أعرف من أقنع طلال مداح بالغناء .. و كلهم مزعجون.. فعرفت أن هذا لا يمكن أن يكون طرباً. لكن كشخص يثق في حدسه كثيراً و يتوق للتواصل معه على الدوام أعرف أن هذه الرحلة السريالية تعني شيئاً ما. لم أرغب في شيء بشدة كرغبتي في معرفة اسم هذه الأغنية .. تمنيت لو استمرت ثوان أكثر حتى ينطق المغني و أسمع أولى الكلمات على الأقل .. هل ستفيدني هذه المعرفة؟ نعم بالطبع .. لأني مع هذا اللحن سافرت ثلاثة عشرة سنة إلى الماضي.. رأيتُني طفلة أمسك براديو جدتي أحركه يمنة و يسرة و كتفاي يؤلمانني من ثقل وزنه..  و لذلك لم أتعرف على أختي الصغيرة لأنها لم تولد بعد قبل ثلاثة عشرة سنة. هذه قوة الذكريات التي تُزرع في طفولتنا يا سبحان الله.

رجعنا إلى البيت و رأسي يؤلمني من كثرة التفكير.. هل تغيرتُ حقاً؟ و لماذا هذه الموسيقى بالذات أثرت بي لدرجة أنها أوصلتني لحافة الجنون؟  تعودتُ أن أسافر إلى الماضي بين الحين و الآخر لأشاهد المسلسلات القديمة و الأناشيد و الصور التذكارية و غيرها للأسباب الطبيعية عند كل البشر و لأتواصل مع هويتي كإنسانة و ليتكامل الماضي مع الحاضر و حسب. لكن الغريب أن هذه الأغنية مختلفة و كأني لم أتعرف على ذلك الجزء من نفسي .. كانت مثل اللقاء بصديق قديم تعرفه و تتذكر رائحته و نغمة صوته و ابتسامته التي تشعرك بالانتماء و الحب لكنك لا تتذكر أهم شيء فيه رغم تكرارك له مرات عديدة .. اسمه ! تخشى أن تسأله عن اسمه و الحنين لك يملأ عينيه ..فيهرب عنك بلا عودة بعد أن يعلن في وجهك خيبته فيك و في إخلاصك. كنت أخشى حتى محاولة التذكر أكثر ، حتى لا يهرب صوت الموسيقى الذي حفظته في ذلك السوق. سألت الجميع هل تتذكرون هذه الموسيقى؟ ههااامم هاهاه مماا ؟ و لا جدوى .. فقررت أن أتبع الخيوط واحداً تلو الآخر .. أول خيط أن هذه الموسيقى قبل ثلاثة عشرة سنة، و الخيط الثاني أنها موسيقى أجنبية ، ثم ظهر الخيط الثالث من حيث لا أعلم ! كنت أسمعها من الراديو و أغاني إنجليزية أخرى لأن والدي كان يمنع عنا القنوات الفضائية و حتى القناة السعودية الثانية لأنهم يتحدثون بالانجليزية و لا يستطيع فهم هذه اللغة حتى يحدد هل يناسبنا محتواها أم لا ، فقرر حذفها من التلفاز و حسب ! 

و تذكرت أيضاً أني كنت أسجل الأغاني الانجليزية و الأخبار في أشرطة كاسيت حتى أكتبها و أحفظها و أترجمها لغرض تعلم اللغة. فتوجهت إلى مكتبة منزلنا التي تكبرني بعقد أو عقدين. فيها من الكتب و الأشرطة و غيرها ما لم أجد في المكتبات و لا حتى المتاحف. و لن أستغرب إن وجدت أشرطتي القديمة في صندوق ما. لكن سبحان الله الذي كتب أن يجمعني بذلك الكتاب مرة أخرى .. كتاب إعجاز علمي يفسر آية من ثلاث كلمات فيها من الروعة ما عجز الطب الحديث عن فهمه. تذكرت أني قرأته عندما كنت في العاشرة من عمري و لم أفهم الكثير ، فأخذته إلى معلمتي في الصف لكنها أنبتـني على عدم التركيز في كتبي الدراسية و حسب ، حتى أنها أخبرت أمي فنقلوا المكتبة إلى غرفة استراحة والدي حيث وكر الأسد و ليس دخوله كالخروج منه أبداً ! 

كم أتمنى الآن أن ألتقي بمعلمتي و أخبرها أني أصبحتُ طبيبة و أن الكتاب الذي منعته عني هو تخصصي الآن و عنوان رسالة بحثي أيضاً . و أن تصرفها و تصرف أمي بعد أن علموا بفضولي في الكتاب لم يزدني إلاً فضولاً و شغفاً. و أنهم لم يزيدوني إلا تمرداً على الصورة النمطية للفتيات في مدرستنا و مجتمعنا بشكل عام.


ما أريد أن أقوله هنا هو أنه في الحقيقة لا يستطيع البشر أن يمنعوا عنك ما كتبه الله لك مهما طال الزمان. تلك الأغنية و هذا الكتاب وصلا في الوقت الملائم جداً. كنت أسبح في بحر حيرتي و ما سأختار كتخصص بعد الكلية. و لذلك تقبلي لتواصلي مع أجزاء من نفسي نسيتها أو كنت أحسبني نسيتها في زحمة الحياة جعلني متكاملة و أكثر توازناً. ما حصل هنا لم يقدني للأغنية و للهو و العبث، و الدليل أني لم أتعرف على الأغنية مرة أخرى إلا بعد سنتين من ذلك الموقف. وجدتني أدندن بالكلمات بالصدفة أحفظها كاملة و غيرها لنفس الفرقة أيضاً. . ما حصل قادني لشغف قديم في تفردناً كبشر و لنبع الحقيقة و مهمتي في الحياة بشكل عام التي تدفقت بعد لقائي الثاني مع هذا الكتاب و هذه الذكرى. و لذلك أريدكم أن تبحثوا عن معنى أكبر في مهمتكم الكبرى عند اختياركم للتخصص الطبي بعد التخرج. اختاروا ما يوافق “نبعكم” ليسمح لحياتك أن تتدفق في اتجاه واحد متوازن، فلا تفرط في حياتك الشخصية و تتنظر الإجازات بفارغ الصبر حتى تهرب من عملك كطبيب في تخصص ما. دع كل ما يؤثر عليك من الخارج ، حتى صوتك النقدي الذي ينتمي إلى غيرك ، حاول أن تخرسه و ابحث في نفسك.. مالذي يعيد إليك الحياة و يسافر بك في أجنحة السعادة عندما تمارسه أو تقرأه أو تفكر فيه؟ مالعمل الذي يتعب جسدك “البشري” لكنه يغذي قلبك و لا تمل منه مهما طال وقوفك عنده؟ عد إلى طفولتك حيث نقاء التفكير و صفو المشاعر و غفلة الناس عنك. مالذي كان يسعدك حقاً؟ و ما المعنى الواقعي و الكبير له ؟ هل كنت تحب أن ترى هيكل ألعابك الداخلي و كيف تقف بعضها و تمشي و تشقلب؟ قد تكون جراحة العظام تناسبك.. هل تحب الألغاز و تشعر بالإثارة العقلية في مرحلة البحث عن الحل أكثر من وصولك للحل ؟ قد يكون الطب الباطني يناسبك.. هل فكرة الشخص المصاب بالسرطان تحول عينيك إلى مجهر تحاول أن تتصور كيف تعلن بعض الخلايا انقلابها على الجسم و تقوى سطوتها رغم قلة عددها مقارنة بباقي الخلايا؟ قد يكون طب الأورام و العلاج الاشعاعي و الكيميائي مناسباً لك.. 

تابع هذه القصة لمُتابعة وافقت مشكورة على نشر محادثتي معها في رحلتها للبحث عن الشغف و اختيار التخصص. و أحمد الله أنها أعادت التواصل مع شغفها الذي اكتشفت أنها تدور حوله و تصده دون أن تدرك ذلك. 

(اضغط هنا للقصة)

أتمنى لكم التوفيق. 

moving smile

كيف اخترتُ الدراسة بكلية الطب؟ اضغط هــنـا لتعرف

كيف تنظم حياتك كطالب طب ؟ اضغط هــنــا لتعرف

4 thoughts on “! مجموعة انسان

  1. Pingback: استفسارات التخصص المناسب | ’Medic Of Glory

    • لأن الله لا يمنع عن العبد رزقه بإرادة الناس. قوة إيمان فيما أستحق و أدين به للعالم جعلني أدخل الطب رغم أنف الجميع. تابع قصة دخولي في مقال : لكن لستُ أهواهُ في فئة (مجلة سايلنت) .
      أهلاً بك 🙂

      Like

  2. Pingback: انـحـنـاءات الـقـدر  | ’Medic Of Glory

Leave a Reply to Dr.Silent Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.