يحـرقـك وقـودك أم تـحرقـه ؟

 b1884-basmala-svg

كثير من المصطلحات التي نسمعها يومياً عبارة عن مفاهيم انغرست بشكل أو بآخر في أعمق ما يمثلنا كبشر. بعضها يطفو من حين لآخر لنراه جلياً ,سواء اعترفنا بانتمائه لنسيج تفكيرنا أم لا. لكن الأكثر يبقى قابعاً في البعيد لا نرى إلا تبعات تمسكنا به. منذ تسع سنوات تقريباً و عندما فتحت طرق التواصل معي و رحبت بأسئلتكم و أنا أرى الكثير من مفاهيم السائلين تتحدث عن نفسها خلف الكلمات التي يكتبونها. 

 

كنت لا أتحمس للرد بقدر حماسي لردة فعل السائل عندما يقرأ جوابي. أطلب في كثير من المرات أن يعود السائل لنكمل “حديثنا” لأن أسئلتكم بالنسبة لي لا تحمل نقطة نهاية السطر و لكن قصة حياة و مجموعة مفاهيم. فضولي و اهتمامي بمساعدة السائل بأكثر مما توقع أن يحصل عليه تجعلني في كثير من المرات “أفترض” بعضاً مما يحصل معه في حياته اليومية بناءاً على المفهوم الذي لمسته من طريقة سؤاله و ما يسيطر على دفة تفكيره. و هذه ما هي إلا محاولة مني لأثير مبادرته بالحديث من جديد. بالذات فيما يخص مفهوم  الخسارة و هو ما سأتحدث عنه في هذا المقال. 

سؤال يتكرر كثيراً جداً جداً و هو (هل معدلي “يكفي” ، تضيع درجاتي ماذا أفعل؟) .. و مما لاحظته أن معظم السائلين يأتون بمعدلات عالية جداً و لكن مفهومهم عن الخسارة سلب منهم كل فرصة للفرح! متابعيني يطرحون ذات السؤال لجيراني الزملاء في صفحات الأسئلة بنفس الصيغة و في نفس الوقت. سؤال مثل : دكتورة، معدلي ٤.٧١ من ٥ و أنا الآن في السنة الخامسة هل يكفي ليتم قبولي في كذا و كذا؟ هل هو جيد؟ ماذا أفعل لأرفعه السنة القادمة؟ .. أستمتع بردود زملائي العفوية لمثل هذا السؤال (قول الحمد لله وين تبي توصل اللهم لا حسد..) و ردود مشابهة تحمل نفس الرسالة للسائل “تراك مزودها حبتين يا الدافور أزعجتنا” ..

 مفهوم الخسارة عند من يتأثر بها بشكل سلبي يثير الاهتمام فعلاً! و يذكرني ببرنامج مسابقات مشهور يعطي المتسابقين قبل بداية الجولة الأولى مبلغ كبير من المال قبل أن يبدأ حتى بحل الأسئلة. ثم يُعطى المتسابق خيار الإجابة على السؤال المطروح و التي تحتمل الصحة و الخطأ، و خيار الانسحاب أيضاً بما يحمل من المال و لكن يفقد حق الاستمرار و الحصول على أموال أكثر في الجولات القادمة. إذا أجاب بشكل صحيح على خمسة أسئلة متلاحقة تضاعفت أمواله و إن أجاب بشكل خاطئ على سؤال واحد فقط ، خسر رصيده كاملاً و خرج من المسابقة. المبدأ الذي تقوم عليه هذه المسابقة هو “التلاعب” بأقوى غريزة تحكم تفكير الإنسان و هي غريزة “الخوف”.. يضمن هذا المبدأ أن تكون ميزانية المسابقة و البرنامج بشكل عام في الحدود التي وضعوها. فلا يصل إلى حصد المبلغ الخيالي في النهاية إلا شُجاع متهور لا وجود له! يعرفون تماماً أن الخوف من الخسارة سيهزم المتسابق عاجلاً أم آجلاً.

 بعض الطلاب يضعون أنفسهم في مقعد المتسابق هذا بطريقة تفكيرهم في المعدل الجامعي. فالطالب المقصود يتخيل نفسه “يمتلك” المعدل الكامل فلنقل ٥ من ٥ في المستوى الأول من الدراسة. و يعاهد نفسه أن يحافظ عليه كما هو أو شبه كامل على الأقل و إلا فسينضم لزمرة الفاشلين المنبوذين في نظره! يفكر في طرفي المعادلة و يغض النظر عن الباع الطويل بينهما. فإما من الأوائل و إما من المنبوذين، زمرة الطبقة الكادحة أصحاب الجيد و الجيد جداً من التائهين بالنسبة له ، لا ينتمون إلى الطريق أساساً و لا يعرفون قواعد اللعبة. قد تسأل نفسك الآن و ما العيب في أن تتوق نفسي للصفوف الأولى و أتمنى المعدل الكامل؟ المشكلة يا عزيزي أنك “متوهم” بكل ما تحمل الكلمة من “وزن” .. متوهم أن المعدل الكامل في يدك و الحقيقة أنك تسعى كل يوم لتحصل عليه و ليس لتتفادى خسارة ما لا تملك أصلاً. أنت في أيام الدراسة “تجمع” الدرجات و تحصل عليها و لا تخسرها لأنك باختصار ” لا تــــمــــلــــكـــــهـــــا” .. فكر في الأمر! كيف تسمي ما لم تحصل  عليه خسارة و أنت لم تكن تملكه من الأساس؟ تخيل لو أن شخص ما في الشارع جاء يواسيك على سيارة اللامبورجيني التي حطمتها شاحنة أمام المول. و يقنعك أن خسارتك فادحة و فرصك نادرة و حياتك التي تحلم بها انتهت. ستقول له بكل تعجب ” هذه السيارة ليست ملكي” ليست لي.. فيقول لك أعرف و لكن لو  أنك فُزت في مسابقة المول السنوية لكانت لك. هنا .. ستشك حتى في صحة عقله إن لم تشاركه نفس مفهوم الخسارة طبعاً. و مثله الذي يغضب غضباً شديداً و يندم على كل ورقة يا نصيب لم يشتريها و كانت الجائزة الكبرى من نصيب غيره. يفسر كل ربح لم يصل إليه “خسارة” و “نقص” و هو في الأساس لا يمتلك ما يحزن على فواته.

 مشكلة هذه العقلية تتلخص في التوتر الناتج عن خوفك المستمر من الخسارة. تنظر طيلة الوقت إلى النصف الفارغ من الكأس. إلى الأجزاء العشرية من الرقم واحد و التي تفصلك عن المعدل الكامل. إلى درجة كويز التشريح و نصف درجة امتحان الباطنة و درجتي تقرير الجراحة … الخ. أنت كمن يركض و قد حمل في بداية المسابقة دلو ماء كبير، وجل انتباهه إلى القطرات التي تطير منه هنا و هناك. بهذه الطريقة أنت لا تفكر في فرح النجاح و لكن في حزن الخسارة في قمة نجاحك! فبشرى حصولك على درجة ٩ من ١٠ تعني ضياع درجة و تأنيب ضمير، و ليس سعادة التسعين في المئة و المقعد الأول! 

عقلية الخوف هذه تأخذ من طاقتك ما لا يمكنك تخيله. بداية من أيض الخلايا و إلى نومك في الليل. تجعل جسمك طيلة الوقت في حالة تأهب للتعاسة المستمرة. لا تخرج من نوبة غضب حتى تدخل في أخرى. كالمتشائم الذي يعمل الصالحات خوفاً من النار و جحيمها و ليس رغبة في الجنة و نعيمها. هل تتخيل هذا الشخص يضحك أو يتابع مسلسل ساخر بكل استرخاء لساعات؟ 

تأمل طريقة تفكيرك قبل الامتحان و الآن أيضاً. هل تدخل و قد حسبت درجة النجاح أم الفرق بين جيد جداً مرتفع و ممتاز؟ هل تعد الدرجات التي جمعتها أم التي فقدتها؟ ما المشاعر التي تسيطر عليك عندما تذاكر .. هل تزداد نبضات قلبك و تقرأ على عجل في محاولة لحشو رأسك بأكبر عدد من المعلومات سواء فهمتها أم لا؟ أم تستمتع تارة و تتذمر تارة و تخرج عن مسار المذاكرة تارة أخرى لأن فضولك أخذك لتقرأ معلومة أخرى؟ هل وضعت القيود على عقلك تتجاهل كل احتياجاته الطبيعية من نوم و راحة و مرح و كسل و نشاط و تأمل؟ باختصار .. مانوع وقودك الذي يدفعك للأمام؟ الخوف من الفشل أم الرغبة في النجاح؟ 

 

قصة صديقتي مع مقعد الأولى على الدفعة ! 

هنا : 

https://telegram.me/asksilent/83


ملحق معاني:

تراك: من الواضح أنك..

مزودها حبتين: تهتم بأكثر مما ينبغي

الدافور: الطالب الممتاز ذا الدرجات المثالية

7 thoughts on “يحـرقـك وقـودك أم تـحرقـه ؟

  1. Pingback: معركة احترام الذات مع حب التفوق | ’Medic Of Glory

  2. Pingback: مـللـت الدراسـة ! | ’Medic Of Glory

  3. احسب اني ارغب بالنجاح حسب تصنيفك يادكتوره لكن الاهل والاساتذه وكل من درسني يحتطب لكي يحرقني مابال الجيد جداً لمَ لايستطيع ان يتخصص جلديه او جراحة تجميل؟
    ولم يتسرع الاستشاريين المسؤولين عن الاطباء المقيمين بان يمتصوا كل معلومات التخصص كالاسفنجه في اول اربع شهور؟
    كل هذا غير طبيعي الحياه والتعلم يحتاجون وقت وافضّل لقب الطبقه الكادحه بل وافخر فيه فليس بأسرتي طبيب
    واعتمدت على الله وحده في كل ذلك وان ضللت الطريق فانا عائده وبقوه بحول الله اصنع حصناً منيعا ضد كل من اراد
    ان يكسر اجنحتي
    واقول حسبي الله ونعم الوكيل

    Like

    • اذكر في سنتي الأولى بكلية الطب وبعد الفصل الأول لازلت اذكر براءة المحارب الصغير عندما أتيت والدي بكشف النتائج فرِحاً بما انجزته فكانت الصدمة عدم تقبله لها فهي كانت مزيج بين الجيد والجيد جداً والمقبول وممتاز وحيد بآخر الصفحة تسائلت بنفسي منبهراً لماذا؟ مالعيب في تلك الحروف البغيضة؟ ألست أنا من دخلت للكلية بملء ارادتي؟ ألم اداوم يومياً الى الساعة الثالثة ثم أعود لبرهة ثم اذهب لدورة اللغة الانجليزية! في ذلك الوقت كنت مصراً على تطوير نفسي كنت ضعيفاً باللغة وحينها لم اكترث لتلك النتائج اللعينة كان هدفي اسمى منها

      كنت ملماً بما أُريد فحياتي الدراسية ليست مثالية لم أكن من الأوائل وإن طمحت لذلك على العكس كنت بسيطاً يروم هدفه من بعيد
      في تلك اللحظات ادركت انني سأصبح بإذن الله طبيباً ليس ككل الاطباء
      لم اكترث كنت افعل ما أُريد لستُ كسولاً أو فاشلاً لست نابغة أو دافوراً بالمعنى الحقيقي
      سأنجح وإن كثر المثبطون وسأرتقي ذلك السلم بكل قوة

      لا أهتم اذا لم أُقبل بالجلدية او غيرها قناعتي ليست بقبولهم او معاييرهم سأُثبت نفسي لهم

      والآن والحمدلله تخرجت من كلية الطب
      فكما دخلت واذكر عبارتي بالمقابلة الشخصية قبل القبول قلت لهم
      I am just a simple man.
      وعلى الرغم من كونها عبارة عادية فهي تصف ما أنا عليه الآن واتذكر تلك العبارة وأقول لقد تخرجت فعلاً وها أنا ذا رجل بسيط كما كنت قبل ست سنوات

      فهنيئاً لتلك الطبقة الكادحة فحقاً هم البسطاء

      Like

      • أخي الكريم سامي ..
        أفهم ألمك في السطور الأولى لأنه قد حصل معي بالضبط ما وصفته. حتى أني أخذت والدي في جولة ليرى كتبي و أوراقي الكثيرة و مع ذلك لم يتقبل أني لم أحصل على درجات كاملة في كل المواد!
        تواسيني جملة شهيرة تقول: if you are not in the arena, I am not interested in your feedback.
        و تعني إن لم يكن الشخص الذي يقلل من قدر اجتهادك في ميدان الطب ، فلا أهمية لرأيه. و اسمح لي أن أختلف معك ، أصحاب الطبقة الكادحة ليسوا بسطاء بل قوة لا يستهان بها. لكن عندما تكثر الانتقادات من حولهم يفقدون إيمانهم بأنفسهم و يتراجعون. في الحقيقة أحتفظ بمقولة لثيودور روزفلت قوية و فيها من الحقيقة الكثير الذي يصغر كل مقارنة و كل انتقاد ، أتمنى أن يؤثر بك و يشعل نار التحدي فيك :
        (It is not the critic who counts; not the man who points out how the strong man stumbles, or where the doer of deeds could have done them better. The credit belongs to the man who is actually in the arena, whose face is marred by dust and sweat and blood; who strives valiantly; who errs, who comes short again and again, because there is no effort without error and shortcoming; but who does actually strive to do the deeds; who knows great enthusiasms, the great devotions; who spends himself in a worthy cause; who at the best knows in the end the triumph of high achievement, and who at the worst, if he fails, at least fails while daring greatly, so that his place shall never be with those cold and timid souls who neither know victory nor defeat). Theodore Roosevelt

        أبارك لك تخرجك من الكلية. أتمنى لك التوفيق .. أسعدني تعليقك 🙂

        Like

    • عزيزتي دلال ..
      أحياناً يحتطب الآخرين بمشاعرنا و راحة بالنا كما وصفتي “عندما نسمح لهم” . أنا لا أخلصهم من مسؤولية سوء معاملتهم هذه و لكن قد نخفف على أنفسنا بإغلاق باب المقارنات و صد أي مقارنة بيننا و بين الآخرين و عدم الخوض فيها نهائياً. مثل أن يسألك شخص لماذا لم تختاري تخصص الجلدية مثل فلانة؟ قولي لهم (و هل تريدون الناس نسخاً من بعضهم؟ رجاءاً توقفوا عن مقارنتي بغيري). استخدمت هذه الجملة بالذات و توقف كثير ممن حولي عن مقارنتي بغيري.
      نعم و أنا بكل فخر أنتمي للطبقة الكادحة ، عندنا تبقى المعلومة أهم من الدرجة و نجاحنا أكثر نقاءاً. و احمدي الله أنه ليس بأسرتك طبيب لأن المقارنة ستصبح أبدية و في كل مجلس!
      أتمنى لك التوفيق . أسعدني تعليقك

      Like

  4. المشكله اذا كان من الاول نازل وانا ووجهي اكمل عادي مع انه ادري راح اقعد بالبيت بالنهايه بس يلا معليه مافي تخصص ثاني اطمح له ولا كان حولت

    Like

Leave a Reply to Dalal Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.