! إلى هيئة التخصصات مع التحية

b1884-basmala-svg

في ساعات الصفاء كثيراً ما يمر سؤال أستاذي المحامي الإيطالي “أليساندرو” ..و بلكنته المميزة..  لماذا درستي الطب بالله عليك؟ لمِ لم تدرسي المحاماة؟ و جوابي الذي لم يعجبه.. وجدتُ طريقة لأدرس الاثنين و أمارسهما معاً ! بالأمس خرجت سايلنت “المحامية” عن صمتها لكن ليس لتزيد فخر أستاذها و لكن ردة فعل على الخبر الجديد عن شروط التقديم في الهيئة السعودية للتخصصات الصحية. بعيداً عن بعض الشروط التي صعُب فهمها و التي أجاب عنها مشكوراً مساعد الأمين العام للدراسات العليا بالهيئة على حسابه في تويتر، شرط الأبحاث ذكرني بطريقي الوعر و ألهمني أن أحكيه لكم !

IMG_1226

منذ السنة الثانية و أنا أفكر بالأبحاث و كيف أنها عالم رائع حيث حملت العلماء على أن يكتبوا الكتب التي بين يدي و التي غيرت البشرية و ساهمت في تطور صحة الأبدان  في القرون الماضية و حتى الآن. و كيف أن روعة النظر إلى صور الباحثين على أغلفة الكتب تجعلهم “أسطوريين” من عالم الفانتازيا الذي أحلم بالانضمام إليه يوماً ما. و كطالبة عهدها قريب بالثانوية و أقوى ما يربطها بعالم الأبحاث بحث من عشرين ورقة عن “عقوق الأبناء” من كتاب متهالك أكلت العثة ربعه فألفت البقية ! 

لم أكن أعرف حتى أن عدم نسب شرحي لحديث الكاتب “لشخصي” يعتبر سرقة أدبية مني لنفسي! و لا كيفية الاستشهاد الصحيحة و لا طرقها المختلفة و لا أبسط شروط البحث حتى. و لا مُرشد! … حتى قررتُ أن أقتحم عالم الأبحاث من أوسع أبوابه .. عندما علمت ذات مساء أن معظم العلماء كانوا في العشرينات عندما اخترعوا و بحثوا و اكتشفوا و لا ينقصني عنهم شيء بل على العكس لدي المزيد.. طالبة في السنة الثانية في كلية الطب و من الأوائل من فضل الله لكني أريد من يأخذ بيدي.. تقدمتُ أسأل أستاذتي المفضلة في الكلية: دكتورة هل تعملين أبحاث حالياً؟ 

اعتلت وجهي ملامح و نظرات “وسيم” عندما أجابت بنعم .. و بصوت تخنقه أنفاسي المتلهفة..  دكتورة هل لي أن أشارك معك في البحث؟ أستطيع أن أعمل أي شيء .. كتابتي سريعة على الكيبورد ، أحب المعامل ، يمكنني أن أتأخر بعد الدوام ، لغتي الانجليزية لا بأس بها .. بحثك عن ماذا بالضبط؟ و بلهجتها اللذيذة قتلت فرحتي دكتورتي .. “لا يا سايلنت إنتي لسه صوغيرة اهتمي بس بموزاكرتك و سيبي الحاقات دي بعدين بقه، مش دي الوقتي ” ! إنتي لسه لازم حد يفهمك بالإثيكس بتاعت الأبحاس و ازاي تتعمل من الزيرو .. معلش يا حببتشي ما تزعليش. 

استمرت المحاولات مع أساتذتي في سنوات الجامعة الثلاث.. أما في السنوات السريرية فكان أغلب أساتذتنا “رجال” لا يميزون سلاحف النينجا عن بعضهن.. كلنا نلبس البراقع و نشبه بعضنا و لا سبيل إلى التميز إلا بعد المحاضرة حيث لا مكان لي! كيف سأقنعه باهتمامي بمجال تخصصه و بتميزي خارج أوراق الامتحان و أسئلتي المتكررة في المحاضرة؟ و حلقات النقاش التي تبرعت بتحضيرها عدة مرات .. ؟ لا سبيل لأصبح من قبيلته مثلاً و لا قبيلة أمه فقد وُلدتُ و انتهى ! و كان الرفض جواباً جاهزاً. و يشبه كثيراً جواب دكتورتي السابقة حيث أن المعدل و المذاكرة أولوية و ليس عالم الأبحاث يرحب بي قبل التخرج. و مع إصراري قلبتُ الآية ،فأتيت بأفكار للبحث و عرضتُ على أساتذتي المشاركة فأنا أولاً و آخراً مهما كان استعدادي أحتاج إلى

principal investigator 

و الذي له أحقية التقدم بطلب الموافقة على الأبحاث.  لكن الذي حصل أخطر من أن يفكر فيه عقلي البريء “الجاهل” فبعد أن رفض أن يشارك معي في البحث و يضيء لي الطريق،” سرق فكرتي” التي أعطيته إياها على طبق من ذهب.. فما يدريني أنا بالـ

Confidentiality agreement ? 

و كيف أطلب منه أن يثق بي إذا كنت سأقدم سوء النية و الشك؟ كيف أتوقع من أستاذي الذي “كاد أن يكون رسولاً” أن يفعل هذا القبيح و يتباهى أمامي بدهائه؟ استمرت محاولاتي في جمع الأسئلة كعناوين أبحاث محتملة أثناء مذاكرتي و في أحلامي أيضاً ! حتى جاءت السنة السادسة..

تم إدراج مادة جديدة في منهجنا اسمها الطب المبني على الدليل. و التي كانت اسكريم  موز بكبدة حاشي و مخ قرد ني ! و رغم ذلك لمستُ نهم أساتذتنا فيها بالأبحاث.. فهم أطباء طب الأسرة و حملة راية الإصلاح في نظمنا الصحي! عرضتُ للمرة الألف أن أشارك في بحث أو أن تُنتَشل فكرة من دفتري بمساعدة أحدهم.. و مرة أخرى لم يكونوا مستعدين أن يعلموني كيف أتحاشي الوحش المرعب و الذي يسمونه

Bias ! 

لأن كوني طالبة طب فأنا شخصياً أعتبر 

 Conflict of interest ! و يمكن Bias

لا أعرف غير هاتين “الشتيمتين” في الأبحاث وقتها. و لا أدري لماذا كل هذا الرفض و هذه الصعوبة، لكني أخيراً وضعتُ الفكرة جانباً فالتخرج على الأبواب و ما الأبحاث إلا ميزة إضافية عند التقديم على البرامج المحلية آنذاك كما أن فكرة الابتعاث لم تخطر على بالي وقتها. سنة ٢٠١٢

جاءت سنة الامتياز. و ما بين استشاري يجند الخريجين ليجمعوا له معلومات بحثه و ينسى أن يكتب أسماءهم كـ

Data collector

إلى سينيور رزدنت قادم من صيفيته في تركيا، يسألك عن تفاصيل مريضك ذا العلة النادرة لينشرها في مجلات الأبحاث بدون أن “يعطيك خبر” حتى أو أن يشكرك.. بل وصلت الجرأة بإحداهن و بمساعدة استشاري المريض أن يطلبوا البريسنتيشن الذي قدمته عن حالة نادرة كـ

Grand round

أن تقدمه و تنشره باسمها بكل ثقة بقبولي. ليس هذا ما أثار غضبي بل رفضها الصريح و الواضح أن أشاركها الكتابة فهي لم ترَ المريض و لو لمحة بل سمعت عنه مصادفة من الاستشاري الذي يعمل بدوام جزئي في مستشفاهم. 

لم أتوقف هنا، بل رحلة البحث عن متبني لشغفي طرقت أبواب مراكز الأبحاث المنفصلة عن الجامعات بلا فائدة تذكر. أخذتني العزة إلى قارة أخرى و كتب الله لي الابتعاث الحمد لله. لا أريد أن أنكأ الجروح و أقارن جامعة الغرب و تسهيلات الأبحاث فيها بجامعتنا .. لكن أقصر طريق للعظمة هو تقليد العظماء و ليت قومي يعلمون!

تحديث الهيئة للشروط يعني أشياء كثيرة منها اهتمامهم على رفع مستوى البورد السعودي لكن “برفع مستوى المتقدمين” . لا أدري هل هي سياسة “فين وذنك يا جحا” أم أننا نُركل من الخلف لنتقدم رغماً عنا؟ لماذا لا يتم تقييم مستوى الخريجين في النواحي التي ستشترط عليهم كمتطلبات للتقديم على التخصصات قبل أن تعتمد؟ لماذا تسير الأمور بالعكس؟ كيف تنتظر من صحراء أن تنبت الأعناب و الأزهار و لم تكلف نفسك حتى عناء النظر إليها؟ يذكرني هذا بموقف طرافته في غبائه حيث كانت إحدى محطات امتحان الباطنة العملي فحص العصب الوجهي .. إلى الآن لا مشكلة و شلل العصب الوجهي مرض منتشر و معلومة مهمة لطالب الطب.. لكن أتوا بمريض “ممثل” باكستاني لا يفهم من العربية إلا “عب بنزين فل” لا يفهم ما معنى عب فمك هوا و قفل شفايفك! و لا ارفع حواجبك و قفل عيونك بقوة.. كان الخيار الثاني هو أن يراني أنفخ خدودي تحت البرقع و لم يفهم أيضاً .. ناشدتُ الدكتور العبقري .. عزيزي كيف أفهمه بالله؟ سوف أخسر درجات الامتحان بسببه! فسمح لي أن يتحول امتحاني إلى شفوي بدل العملي .. الله يضحك عليك عدوينك.. أتمنى فقط أن الطاقم الجميل هذا لم يساهم في شروط الهيئة الجديدة من قريب أو بعيد.. 

سعادة الدكتور الفاضل: محمد السلطان ..أعترف بجهلي بإجراءات اعتماد الشروط الجديدة و لكني حتماً لا أجهل ضعف كليتي بجامعة الملك خالد في تدريب الطلاب على الأبحاث أو حتى حثهم المعنوي عليها! و لسنا كغيرنا من الجامعات التي نظمت المدارس الصيفية للأبحاث رغم قلة المقاعد. و لا أريد أن أتشاءم و أنعت بيئة الأبحاث في بلدنا باللؤم . . فالخير فينا و فيكم كثير.

في الرابط الآتي تجد دراسة نُشرت في المجلة الطبية السعودية عن تقييم مستوى معرفة الأطباء المقيمين في طرق الأبحاث و الاحصائيات.. أزالت عني نتائج الدراسة شعوري بالنقص و أخفتت صوتي النقدي و التي أتركها لكم لتقرؤها براءة منهم و إليهم..  

Resident physician’s knowledge and attitudes toward biostatistics and research methods concepts.

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/26446338

أرحب بتعليقاتكم في مربع التعليق بالأسفل 

ملحق معاني:

صوغيرة= صغيرة

إثيكس: أخلاقيات الأبحاث

حببتشي = حبيبتي باللهجة المصرية

senior resident =سينيور رزدنت  

دي الوقتي: هذا الوقت باللهجة المصرية

بريسنتيشن= Power point presentation

 

أرحب بتعليقاتكم في مربع التعليق بالأسفل 

ماذا عن شرط البحث للمتقدمين لبرامج الاحتصاص الطبي في السعودية؟ 

مقال: ✒️

خرّيج بين الدعم و الإعدام

5 thoughts on “! إلى هيئة التخصصات مع التحية

  1. Pingback: اسـتـفسـارات الأبـحـاث | ’Medic Of Glory

  2. Pingback: خرّيج بين الدعم و الإعدام | ’Medic Of Glory

  3. Pingback: كيف تخطط لكتابة ورقة بحثية ؟ | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

  4. Pingback: Dermatology as a specialty | مُـدوَنَــة أَطِـبَّـاءُ الـمَـجْـد

Leave a Reply to Anonymous Cancel reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.